آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-12:37م
أخبار وتقارير

رؤية وطنية شاملة لإنقاذ جامعة عدن

الخميس - 16 يوليو 2026 - 11:15 ص بتوقيت عدن
رؤية وطنية شاملة لإنقاذ جامعة عدن
المصدر: أ.د. مهدي دبان بروفيسور الفيزياء جامعة عدن

جامعة عدن هي أحد أهم الصروح العلمية والفكرية والثقافية في اليمن، ومنارة للعلم والمعرفة، أسهمت منذ تأسيسها في إعداد أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والقضاة والباحثين والإداريين الذين حملوا مسؤولية بناء الوطن وخدمته في مختلف المجالات.


بدأت نواة الجامعة مع إنشاء كلية التربية العليا عام 1970م، ثم أُعلنت جامعة عدن رسميا عام 1975م، لتصبح واحدة من أعرق الجامعات اليمنية. ومنذ ذلك الحين، تجاوز دورها حدود التدريس، فكانت مركزا للإشعاع الفكري والثقافي، وحاضنة للبحث العلمي، ومنبرا للحوار والتنوير، وأسهمت في ترسيخ قيم المعرفة والانفتاح وخدمة المجتمع.


وقد ارتبط تاريخ الجامعة بكوكبة من الرواد والمؤسسين الذين وضعوا أسسها العلمية والإدارية، وتتابعت عليها قيادات أكاديمية تركت بصمات واضحة في مسيرتها، حتى أصبحت جامعة عدن رمزا للتميز الأكاديمي، ورافدا رئيسيا بالكفاءات التي تولت مواقع قيادية في مؤسسات الدولة والقطاعين العام والخاص داخل اليمن وخارجه.


غير أن السنوات الأخيرة وما رافقها من حروب وأزمات اقتصادية وتراجع في التمويل، ألقت بظلالها على الجامعة، فأثرت في بنيتها التحتية، ومعاملها، ومختبراتها، ومكتباتها، وأوضاع أعضاء هيئة التدريس والعاملين فيها، وهو ما انعكس على مستوى الأداء الأكاديمي والبحثي، رغم استمرار الجامعة في أداء رسالتها بإمكانات محدودة وإرادة كبيرة.


ورغم كل هذه التحديات، أثبتت جامعة عدن أنها مؤسسة عريقة بما تمتلكه من كفاءات علمية وأكاديمية. فقد حققت إنجازا وطنيا بحصولها على المركز الأول بين الجامعات الحكومية اليمنية وفقا للتصنيف الوطني الصادر عن اللجنة الوطنية للتصنيف الأكاديمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كما جاءت في المرتبة الثانية على مستوى الجامعات اليمنية عموما. ويؤكد هذا الإنجاز أن الجامعة ما تزال تمتلك مقومات الريادة والتميز، وأن الاستثمار فيها ودعمها سيؤتي ثماره بالتأكيد، لأنها أثبتت نجاحها حتى في أصعب الظروف.


إن إنقاذ جامعة ضرورة وطنية، لأن النهوض بالجامعة يعني النهوض بالوطن. ومن هنا فإن المطلوب هو إطلاق مشروع وطني متكامل تتشارك فيه الحكومة والسلطات المحلية والقطاع الخاص ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والاعلام، لإعادة الاعتبار لهذا الصرح العلمي، عبر توفير التمويل الكافي، وتأهيل المباني والقاعات والمعامل، وتحديث المناهج، ودعم البحث العلمي، وتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس، وتعزيز الشراكات مع الجامعات الإقليمية والدولية.


وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تدار الموارد الذاتية للجامعة وفق أعلى معايير الشفافية والحوكمة، وأن تُسخر إيراداتها لخدمة الجامعة نفسها، من خلال تطوير البنية التحتية، وتجهيز المختبرات، وتحديث المكتبات، ودعم البحث العلمي، وتحسين الخدمات الطلابية، وتمويل المشاركة في المؤتمرات العلمية، وتشجيع النشر العلمي، بما يضمن استدامة التطوير ويرفع من جودة التعليم ومخرجاته.


إن الاستثمار في جامعة عدن هو استثمار في الإنسان، وفي مستقبل اليمن، وفي بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وإعداد قيادات تمتلك العلم والكفاءة والقدرة على صناعة التغيير. فالجامعات هي مصانع العقول، وإذا ضعفت الجامعات، ضعفت معها فرص التنمية والتقدم.


لقد أثبتت جامعة عدن، على مدى أكثر من خمسة عقود، قدرتها على الصمود والعطاء رغم كل الظروف. وهي اليوم تستحق التفاتة وطنية صادقة تعيد إليها مكانتها التي تستحقها، وتحفظ تاريخها، وتمكنها من مواصلة رسالتها في خدمة الوطن.


إن رؤيتنا لإنقاذ جامعة عدن تقوم على إيمان راسخ بأن هذه الجامعة رصيد وطني يجب الحفاظ عليه وتنميته. وإذا توافرت الإرادة الصادقة، والإدارة الرشيدة، والدعم الحكومي والمجتمعي، وحسن استثمار مواردها الذاتية، فإن جامعة عدن قادرة على استعادة ريادتها، والعودة منارة للعلم والفكر والثقافة، ومصدرا لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل، كما كانت دائما.