آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-11:08م
أدب وثقافة

الرؤية البصرية والبناء السردي في تجربة درة بن سعيد

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - 05:41 م بتوقيت عدن
الرؤية البصرية والبناء السردي في تجربة درة بن سعيد
المصدر: تونس (عدن الغد) مجيب الرحمن الوصابي:

في قلب العاصمة تونس، حيث تتنفس الجدران تاريخاً لا ينام، وفي تلك الأزقة التي يفوح منها رائحة الياسمين العتيق الممتزج بغبار الزمن، ينبثق مشروع المبدعة التشكيلية والكاتبة القصصية دُرّة بن سعيد. إنها تجربة إبداعية فريدة لا تقف عند حدود رصف الألوان على الورق والألواح، إنما تتجاوزها لتصوغ بوعيٍ نقديٍّ حاد نصوصاً سردية موازية، مستندةً إلى خلفية أكاديمية متينة صقلت موهبتها الفطرية عبر دراستها المتخصصة في "المعهد العالي للفنون الجميلة" بمحاذاة صخب "باب سعدون". هناك، تشربت فلسفات اللون والضوء، وحوّلت تلك الأدوات من تقنيات جافة إلى أدوات تفكيك معرفي وبصري.


لقد أثمر هذا المزيج بين الموهبة والدراسة الأكاديمية رؤيةً نقدية ثاقبة تتضح جلياً في لوحاتها وقصصها على حدٍ سواء، وهو ما يمكننا تفكيكه عبر المحاور الجمالية التالية:


تتجلى في أعمال درة بن سعيد مساحات واسعة للتأمل الحلمي والمجاز التعبيري؛ ففي لوحة "الوجه والفراشة"، يتشكل الوجه بتفاصيل رقيقة ونصف غائبة، بينما تستقر فراشة برتقالية زاهية على الجانب الآخر من العين والوجنة. الفراشة هنا ليست مجرد عنصر طبيعي، بل هي معادل موضوعي في البناء القصصي لـ"التحول"، "الخفة"، و"العبور". تعبر هذه اللوحة عن رهافة تتقاطع مع عوالم القصة القصيرة جداً، حيث الإيجاز والتكثيف اللوني يقابله تكثيف في المعنى؛ فالعين الواحدة المفتوحة على أفق الحلم ترقب تحولات الذات وانعتاقها.


ريشةٌ فاضحة؛ تجريد "النجوم" ومحاكمة الواقع


لم تكن العزلة في مرسمها صامتة قط، بل استحال محرابها صالوناً سرياً يسكنه "اللاوعي". من هنا، تحولت ريشتها وقلمها إلى مرآة فاضحة تجرد البشر من أقنعتهم الاجتماعية مهما علا شأنهم. في كتاباتها، تروي درة كيف جردت إعلامياً شهيراً من بريق كاميراته لترسم الخواء في عينيه كبقعة حبرٍ لا تجف، وكيف كشفت زيف ابتسامات مذيعة حسناء فرسمتها كقناعٍ من شمعٍ يذوب تحت حرارة الحقيقة، في مقابل الحفاظ على النقاء السماوي النابع من مسام جلد بائعة الخبز البسيطة. إن هذا التوجه البصري يمثل قمة التلاحم بين بنية اللوحة وبنية القصة، حيث تصبح ضربة الفرشاة والمفردة السردية وسيلتين لتعرية الزيف المجتمعي.


ملمس الحزن والارتطام بالأعلى؛ جدلية السقوط والبرزخ


في نصها المفصلي "سقطة درة بن سعيد... الارتطام بالأعلى"، تأخذنا الكاتبة إلى تجربة وجودية قاسية تداخلت فيها خطوط الرسم بوعكة الجسد. السقوط هنا ليس لأسفل، بل هو "ارتطام بالسماء من جهة القبو". عند انشقاق أرضية شقتها في تلك العمارة العتيقة من طراز "الآر نوفو" المنهك، هوت روحها في ثقب غامض. وتتداخل هنا الضحكات المرعبة للموتى والأطياف في القاع مع عويل ونحيب العائلة في الأعلى.


هذا التمزق السريالي يتجسد بصرياً في لوحاتها التجريدية (البورتريه المحجوب بالخطوط)؛ حيث يتوسط اللوحة اللون الأحمر القاني والأسود والرمادي، وتتماهى ملامح الوجه خلف ضربات فرشاة عمودية حادة وطاغية باللون الأبيض والرمادي. هذا التكنيك يعكس أزمة الهوية والتشظي الإنساني؛ فالمستشفى (شارل ديجول) ببياضه العدواني كان يطاردها ويذكرها بكل لوحة لم ترسمها بعد. وفي تلك اللحظات البرزخية، كان صديقها الحميم الملهم هو "الوتد والبوصلة" الذي يسند رأسها ويضع القلم في يدها المرتجفة حين تعجز الريشة عن الحركة، هامساً لها: "اكتبي يا درة.. فالورقة هي الكانفاس الوحيد الذي لا يحتاج لضوء".


التجريد الزخرفي وأسطورة الحكمة (لوحة البومة)


تنضح لوحة "البومة الزخرفية" المصممة بدقة بالغة بالاعتماد على الحبر الأسود وتداخلاته المعقدة ببعد أسطوري وفولكلوري واضح. البومة في الموروث التونسي والإنساني رمز للحكمة وللسهر الليلي الطويل المليء بالتأمل السردي. التفاصيل الدقيقة والخطوط الحبرية المتشابكة تشبه إلى حد كبير الحبكة القصصية المتداخلة في نصوص درة؛ فكل خط يقود إلى تفرع آخر، تماماً كما تتشابك مصائر الشخصيات في قصصها، محققةً تمكناً عالياً من أدوات الرسم باللون الواحد (المونوكروم) لاستخراج الضوء من رحم العتمة.


ثنائية التوأم والانصهار في معمار الزمان


يصل التلاحم الإبداعي ذروته في اللقاء المتخيل/الواقعي بين درة وشقيقتها التوأم داخل المرسم. وقوف التوأم بأناقتها العصرية وهدوئها الذي لا يخدشه وجع، يقابله حضور درة بسمرة بشرتها التي لوّحتها شمس "باب سعدون" وقسوة الجدران التي سكنتها. عندما نظرت الشقيقة إلى اللوحة الشخصية لدرة، صرخت بذهول متهدج: "هذه ليست أنتِ.. هذه جدران العمارة!".


هنا تبتسم درة بن سعيد بمرارة المنتصرة؛ فالشقيقة ترى في المكان خراباً يستوجب الترميم أو الهروب، بينما ترى فيه الفنانة أصلها وفصلها وانتماءها. لقد رسمت نفسها بلون الفخار التونسي المعتق، وجعلت عينيها بئرين عميقين يغرق فيهما كل من يحدق فيهما، لتعلن انصهارها النهائي في تفاصيل الجدران المتآكلة.


الهروب المقدس نحو المدى الأزرق


وحين كانت تضيق جدران المصحات وتخنقها رائحة المرض، لم تجد درة ملاذاً سوى بحر "حلق الوادي". هناك، تلْقي بجسدها المثخن بالندوب في حضن الموج، وتترك ملوحة الماء تطهر روحها من غبار العمارة العتيقة ووجع الإبر. البحر وحده، كالتاريخ، كان يعيد ترتيب بعثرتها ويفهم سر المعمار الذي يسكنها.


إن درة بن سعيد تكتب بالريشة وترسم بالكلمة؛ وقد شكلت دراستها الأكاديمية في معهد الفنون بباب سعدون النواة الصلبة التي ارتكزت عليها لتطوير خطوطها وألوانها. إنها تجسيد حي للمبدع الذي يتحدى التشظي والوجع ليصنع من عتمة السقوط نوراً خاصاً، معلنةً بلسان كبريائها الفني: "أنني أنا العمارة، وأنا القصة التي لا تشبه أحداً، وأنا الحقيقة التي لا تُرى إلا بالعين المجردة من الأقنعة"