في مسيرة العمل العام، تمر المسؤوليات وتتعاقب القيادات، لكن قلة من المسؤولين ينجحون في تحويل فترة إدارتهم إلى علامة فارقة في ذاكرة الناس وسجل المكان. فالمناصب بطبيعتها مؤقتة، أما الإنجازات الحقيقية فتبقى شاهدة على أصحابها، تروي للأجيال قصة مرحلة استطاعت أن تتجاوز التحديات وتصنع واقعاً مختلفاً.
ومع صدور قرار محافظ محافظة لحج بتكليف مدير عام جديد لمديرية طور الباحة خلفاً للأستاذ عفيف الجعفري، وجب لفت الأنظار إلى ما تحقق خلال العام والنصف الماضيين في عهد الجعفري، وكيف استطاعت طور الباحة أن تنتقل من واقع مثقل بالاحتياجات إلى واحدة من أكثر المديريات حراكاً على المستوى التنموي والخدمي في المحافظة؟
الإجابة لا تكمن في التصريحات أو الشعارات، بل في حجم المشاريع التي أنجزت، والخدمات التي وصلت إلى المواطنين، والتحولات التي أصبحت ملموسة في مختلف القطاعات، خلال فترة قصيرة قياساً بحجم التحديات والإمكانات المتاحة.
من واقع صعب إلى مشروع تنموي متكامل
عندما تسلم الجعفري إدارة المديرية مطلع عام 2024، كانت طور الباحة تواجه تراكمات طويلة من الاحتياجات الخدمية والتنموية، وسط ظروف اقتصادية استثنائية تمر بها البلاد، وشح كبير في الموارد المحلية، الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إلى حجم التحديات باعتبارها أكبر من قدرة أي إدارة محلية على التعامل معها.
غير أن ما ميز تجربة الجعفري منذ بدايتها أنه لم يتعامل مع محدودية الإمكانات كذريعة للجمود، بل جعل منها دافعاً للبحث عن البدائل وفتح أبواب الشراكات واستقطاب الدعم وتحويل الاحتياجات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
وبمرور الوقت بدأت المديرية تشهد حراكاً تنموياً متسارعاً، حتى تحولت إلى ورشة عمل مفتوحة تستقبل المشاريع وتنفذ التدخلات الخدمية في مختلف القطاعات، في مشهد غير مألوف بالنسبة لكثير من أبناء المنطقة الذين اعتادوا لسنوات طويلة على بطء التنمية وتأخر الإنجاز.
المياه.. معركة الحياة التي انتصرت فيها الإدارة
ربما كان ملف المياه هو التحدي الأكبر الذي واجه قيادة المديرية خلال المرحلة الماضية.
فعلى مدى سنوات طويلة عانت مناطق واسعة من طور الباحة من شح المياه وندرتها، حتى أصبح الحصول عليها هاجساً يومياً للأهالي، واضطرت بعض الأسر إلى النزوح نحو مناطق أخرى بحثاً عن مصادر مياه أكثر استقراراً.
وإدراكاً لحجم هذه المعاناة، وضع الجعفري ملف المياه في مقدمة أولوياته، حيث شهدت المديرية تنفيذ مشاريع متعددة شملت حفر الآبار وإنشاء الخزانات وتحسين أنظمة الإمداد المائي وتوسيع نطاق الاستفادة من الخدمات.
ولم يقتصر أثر هذه المشاريع على تحسين الخدمة فحسب، بل أعادت الطمأنينة إلى آلاف الأسر وخففت جانباً كبيراً من معاناة استمرت لسنوات، لتصبح المياه واحدة من أبرز قصص النجاح التنموية التي شهدتها المديرية خلال هذه المرحلة.
التعليم.. الاستثمار الأهم في مستقبل المديرية
وفي قطاع التربية والتعليم، أدركت قيادة المديرية ممثلة بالمدير العام عفيف الجعفري أن بناء المدارس لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمشاريع الخدمية، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان.
وخلال العام والنصف الماضيين شهدت طور الباحة تنفيذ مشاريع لبناء وتأهيل المدارس والفصول الدراسية وتحسين البيئة التعليمية، بما أسهم في توفير ظروف أفضل للطلاب والمعلمين ورفع مستوى الخدمات التعليمية في عدد من المناطق.
وقد عكست هذه الجهود رؤية تنموية تتجاوز الحلول المؤقتة نحو الاستثمار طويل الأمد في الأجيال القادمة، باعتبار التعليم الركيزة الأساسية لأي نهضة مجتمعية مستدامة.
البنية التحتية.. شوارع جديدة ووجه مختلف للمديرية
ومن بين أبرز المشاهد التي تعكس حجم التحول الذي شهدته طور الباحة خلال الفترة الماضية، الحضور اللافت لمشاريع البنية التحتية التي غيرت ملامح المديرية بصورة واضحة.
فقد شهدت المديرية أعمال رصف وتأهيل عدد من الطرق والشوارع الرئيسية والفرعية، وفي مقدمتها ثلاثة شوارع رئيسية مثلت نقلة نوعية في حركة التنقل والتجارة والنشاط الاقتصادي.
ولم تقتصر أهمية هذه المشاريع على تحسين حركة السير فحسب، بل أسهمت في تعزيز الترابط بين المناطق السكانية وربطها بالخدمات والأسواق، كما منحت مركز المديرية مظهراً حضارياً أكثر تنظيماً وحداثة، بما يعكس حجم الاهتمام الذي أولته الإدارة المحلية للبنية التحتية باعتبارها أساس التنمية المستدامة.
التنمية بمعناها الشامل.. الإنسان أولاً
ولأن التنمية ليست طرقاً ومبانٍ فقط، فقد امتدت الجهود لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والزراعية.
وشهدت المديرية في ظل قيادة الجعفري دعماً لعدد من المبادرات الشبابية والمشاريع الصغيرة، إلى جانب تقديم المساندة للأسر الأشد احتياجاً وتنفيذ تدخلات داعمة للمزارعين والقطاع الزراعي، بما ساعد على تحسين الظروف المعيشية وتعزيز فرص الإنتاج المحلي.
وقد عكست هذه التدخلات فهماً عميقاً لمفهوم التنمية بوصفها عملية متكاملة تستهدف الإنسان قبل الحجر، وتسعى إلى تحسين جودة الحياة إلى جانب تطوير الخدمات والبنية التحتية.
الشراكات.. كلمة السر في نجاح التجربة
إن أحد أهم أسرار النجاح في تجربة طور الباحة في عهد الأستاذ عفيف الجعفري، تمثل في قدرة قيادة المديرية على بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع المنظمات المانحة والجهات الداعمة.
فقد نجح الجعفري في تقديم المديرية كشريك جاد ومؤهل لاستقبال المشاريع التنموية، وعمل بصورة متواصلة على نقل احتياجات المواطنين إلى الجهات المانحة، الأمر الذي أثمر عن تنفيذ عشرات المشاريع والتدخلات في مجالات المياه والتعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات المجتمعية.
هذه الشراكات لم توفر التمويل فقط، بل أسهمت في نقل المديرية إلى مرحلة جديدة من الحضور التنموي الفاعل على مستوى محافظة لحج.
تكريم مستحق.. شهادة رسمية على نجاح التجربة
ولم تكن هذه الإنجازات بعيدة عن أنظار قيادة محافظة لحج، التي منحت الأستاذ عفيف الجعفري "درع الوفاء والتميز" تقديراً لما حققه من نجاحات ملموسة في تطوير الأداء الإداري والخدمي والتنموي.
وقد مثل هذا التكريم اعترافاً رسمياً بحجم الجهد المبذول، ورسالة تقدير لتجربة أثبتت أن الإدارة المحلية يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً عندما تتوفر الرؤية والإرادة والعمل الميداني الجاد.
حين يغادر المسؤول وتبقى بصماته
ومع انتقال المسؤولية إلى قيادة جديدة، تبقى الإنجازات هي المعيار الأصدق للحكم على التجارب الإدارية.
فخلال عام ونصف فقط، تمكنت طور الباحة من تحقيق تحولات تنموية وخدمية لافتة، وأصبحت نموذجاً محلياً لتجربة أثبتت أن الطموح والإدارة الفاعلة قادران على تجاوز محدودية الإمكانات وصناعة الإنجاز.
لقد غادر عفيف الجعفري موقعه الإداري، لكنه ترك خلفه إرثاً من المشاريع والشراكات والمبادرات التنموية التي ستظل شاهدة على مرحلة استثنائية من تاريخ المديرية، مرحلة أعادت الثقة بإمكانية التغيير ورسخت قناعة بأن التنمية ليست رهينة الإمكانات بقدر ما هي رهينة الإرادة.
وبينما تستقبل طور الباحة قيادة جديدة، فإن ما تحقق خلال المرحلة الماضية يشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها واستكمال مسيرة التنمية التي انطلقت بقوة، خدمة لأبناء المديرية وتطلعاتهم نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
فالتاريخ المحلي لا يتذكر كثيراً من الأسماء التي مرت على المناصب، لكنه يحتفظ دائماً بأسماء أولئك الذين تركوا أثراً حقيقياً في حياة الناس.. وفي طور الباحة، يبدو أن اسم عفيف الجعفري سيبقى مرتبطاً بواحدة من أهم محطات التحول التنموي في تاريخ المديرية الحديث.