آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-04:41م
أخبار وتقارير

​20% فقط معدل الرضاعة الطبيعية.. أطفال اليمن في مواجهة "مفتوحة" مع أوبئة الطفولة الأسوأ عالمياً

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 03:54 م بتوقيت عدن
​20% فقط معدل الرضاعة الطبيعية.. أطفال اليمن في مواجهة "مفتوحة" مع أوبئة الطفولة الأسوأ عالمياً
المصدر: (عدن الغد)خاص:

​تقرير / خديجة الكاف


​تواجه الطفولة في اليمن انتكاسة صحية صامتة، بعد أن كشفت المؤشرات الأخيرة عن تراجع مخيف في معدلات الرضاعة الطبيعية المطلقة لتسجل 20% فقط، وهي النسبة الأدنى عالمياً. هذا التراجع الحاد يضع أطفال اليمن في مواجهة مباشرة مع أمراض الطفولة القاتلة وسوء التغذية، في وقت يُمثّل فيه لبن الأم اللقاح الطبيعي الأول والبيئة المناعية المستدامة.


​أمام هذا المشهد القاتم، برزت الأصوات الرسمية والطبية للمطالبة بنفض الغبار عن التشريعات الصحية، وعلى رأسها قرار مجلس الوزراء رقم (18) لعام 2002م بشأن لائحة تشجيع وحماية الرضاعة الطبيعية، وتفعيله كأداة قانونية ملزمة لتجريم التسويق العشوائي لبدائل حليب الأم.


​ومن أجل توعية العاملين في المرافق الصحية والأمهات قمنا بفتح هذا الملف، ونستطلع آراء مسؤولي وزارة الصحة، والأطباء الاختصاصيين، والأمهات.. وإليكم الحصيلة:

​رحلة علاج شاقة

​تروي أم محسن تجربتها بمرارة قائلة:

"أنا أم لطفلين، الأول كان نموه ووزنه طبيعيين لاعتماده التام على الرضاعة الطبيعية. أما طفلي الثاني، فلأنني كنت مجهدة بعد الولادة، تم وضعه في الحضانة وكُتب له الحليب الصناعي منذ ساعاته الأولى. اليوم عمره سنة وستة أشهر، وهو ضحية دائمة للأمراض المعدية والسعال والزكام، ونموه ضعيف جداً. حين عرضته على طبيب أطفال، وبخني قائلاً: (كان يجب أن يرضع منكِ طبيعياً)، والآن نمر برحلة علاج شاقة."


​الرضاعة الطبيعية تحمي أطفالي

​وعلى النقيض تماماً، تستعرض أم كلثوم نموذجاً ناجحاً للوعي المتوارث:

"بفضل نصائح والدتي، أرضعت أطفالي الثلاثة رضاعة طبيعية مطلقة لستة أشهر كاملة دون قطرة ماء أو حليب صناعي، وصحتهم اليوم ممتازة. الرضاعة الطبيعية لم تحمِ أطفالي فحسب، بل منحتني ميزة طبيعية لتباعد فترات الحمل لأكثر من سنتين بين كل طفل. أتمنى من كل أم أن تبتعد عن البدائل التجارية في الأشهر الأولى."


​أطباء يسعون لفرض سياسات "صديقة للأم العاملة" في مقار العمل

​في الشق الطبي التخصصي، تشرح الدكتورة سوسن عمر فدعق (أخصائية أطفال وحديثي ولادة، واستشارية الرضاعة الطبيعية بمركز الطوارئ التوليدية - مستشفى الشعب سابقاً) المفهوم العلمي الدقيق للرضاعة المطلقة، حيث تقول: "الرضاعة المطلقة تعني اقتصار الرضيع على لبن الأم فقط دون ماء أو سوائل تكميلية كالعسل أو الجلوكوز التي تدخلها بعض الأسر وتعرّض حياة المولود لخطر الأمراض. لبن الأم ليس مجرد غذاء، بل هو نسيج حي غني بالأجسام المضادة، واللاكتوفيرين، وخلايا الدم البيضاء."


​وتضيف الدكتورة فدعق مؤكدة أن الرضاعة الطبيعية تقلل نسبة إصابة الأطفال بسرطان الدم (اللوكيميا)، وتحمي الخدج من مرض القولون الناخر (NEC) القاتل.


​وعن سبل استغلال قرار مجلس الوزراء لعام 2002م، وضعت الدكتورة سوسن رؤية استراتيجية من خمسة محاور:

​تفعيل التثقيف: توعية الحوامل بمخاطر الرضاعة الصناعية داخل المرافق الصحية.


​قدسية الساعة الذهبية: بدء الرضاعة مباشرة وتأكيد الملامسة الجسدية بين الأم والوليد في الساعة الأولى.

​حظر موانع الإدرار: تجنب صرف أدوية للأم تقلل اللبن (مثل موانع الحمل المحتوية على الإستروجين).

​قطع دابر الشركات: منع أي تواصل مباشر بين ممثلي شركات الحليب والكوادر الطبية أو الأمهات، وحظر الهدايا والمنشورات الترويجية.

​المحاسبة القانونية: تعليق هذه المدونة في المستشفيات العامة والخاصة وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.

​الرضاعة المطلقة تقلل خطر "سرطان الدم" والبدائل تهدد الأطفال الخدج

​مطالبة بقانون رادع يجرم التسويق داخل المستشفيات:

من زاوية المنظمات الدولية والميدانية، تدق الدكتورة دعاء الأهدل (مسؤولة الصحة والتغذية بمنظمة "هاد" - المكتب الرئيسي عدن) ناقوس الخطر بشأن غياب الرادع القانوني، وتقول: "الساعة الأولى من الولادة هي (الساعة الذهبية) التي يتلقى فيها الطفل لبأ الأم الغني بمركبات تبني درعاً واقياً ضد أمراض الحساسية والأمراض المزمنة والسرطانات مستقبلاً.


مدونة سلوك بدائل لبن الأم معروفة دولياً، لكن المعضلة محلياً تكمن في غياب التشريع الرادع. نحن نعمل حالياً على تعميم هذه المدونة كتشريع ملزم للكوادر الطبية، ونطالب بقوة بتجريم تسويق بدائل لبن الأم داخل المستشفيات الحكومية والخاصة لرفع معدلات الرضاعة المطلقة."


​اللبن هو "اللقاح الأول" وللإرضاع مزايا نفسية واقتصادية للأم

​بدوره، يصف الدكتور أسامة محمد علي محمد (أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة) لبن الأيام الأولى (اللبأ) بأنه "اللقاح الطبيعي والمناعي" الذي يحتاجه الطفل مدى الحياة، كونه غنياً بالبروتينات والبيتا كاروتين، فضلاً عن دوره الميكانيكي في مساعدة الرضيع على إخراج "العِقي" (براز المولود الأول).


​ويستعرض الدكتور أسامة قائمة شاملة للمزايا التي تعود على الأم المرضعة:

​صحياً: تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي، والمبيض، وضغط الدم، والسكري، وهشاشة العظام.

​نفسياً: تقليل التوتر والقلق، وإفراز هرمونات تعزز الاسترخاء والترابط العاطفي مع الوليد.

​اقتصادياً وبيئياً: توفير ميزانية شراء الحليب الصناعي المرهقة، وحماية البيئة من نفايات التعليب الملوثة.


​وأشار إلى أن قرار عام 2002م يحمي أيضاً الأم العاملة ويكفل لها بيئة داعمة، داعياً لتفعيل الرقابة على الأسواق لمنع التسويق غير القانوني.

​من المنظور الاستراتيجي لوزارة الصحة، يوضح الدكتور محفوظ علي مقبل (مدير إدارة التغذية بالوزارة) خطة الرعاية بعد الشهر السادس قائلاً: "بعد الشهر السادس، تزداد احتياجات الطفل الجسدية، وهنا يأتي دور التغذية التكميلية (حبوب، خضار، فواكه، بروتينات) مع استمرار الرضاعة الطبيعية حتى عامين. التغذية السليمة المبكرة تعمل على (برمجة الجسم صحياً)، فالأطفال الذين حظوا برضاعة طبيعية وتغذية تكميلية متوازنة هم الأقل عرضة مستقبلاً لأمراض السمنة، والسكري، والتقزم."

​برمجة الجسم صحياً تبدأ بالتغذية التكميلية السليمة

​وشدد الدكتور محفوظ على ضرورة إدماج مبادئ المدونة الدولية لتسويق بدائل اللبن في البرامج الميدانية الحيوية مثل (CMAM) و(MAMI)؛ لضمان حماية الرضاعة الطبيعية في السياقات الإنسانية الطارئة.


​قرار مجلس الوزراء لعام 2002.. سلاح "الصحة" المنسي لمواجهة أدنى نسبة رضاعة طبيعية في اليمن

​أما الدكتور محمد مصطفى راجا منار (مدير عام صحة الأسرة بوزارة الصحة العامة والسكان)، فتحدث عن دور الوزارة في تحويل قرار مجلس الوزراء لعام 2002م إلى واقع ملموس، بهدف كبح معدلات وفيات الأطفال الناتجة عن النزلات المعوية الحادة والالتهابات الرئوية.


​وأكد أن الوزارة تركز جهودها حالياً على ثلاثة مسارات:

​الرقابة المشددة: منع الإعلانات المضللة والترويج غير المنضبط للحليب الصناعي في الأسواق والمرافق الصحية.

​بيئة عمل صديقة: الضغط لتفعيل تشريعات تحمي الأم العاملة، مثل تمديد إجازة الأمومة، وإلزام المؤسسات بتوفير غرف خاصة للرضاعة.

​مكافحة تضارب المصالح: تدريب الكوادر الصحية على تقديم مشورة حيادية تعتمد على الأدلة العلمية، ومنع أي توجيه للأمهات لخدمة شركات تجارية.


​ختاماً:

إن بقاء اليمن في ذيل القائمة العالمية لمعدلات الرضاعة الطبيعية المطلقة بنسبة لا تتعدى 20%، ليس مجرد رقم إحصائي عابر، بل هو ناقوس خطر يدق ليعلن عن جيل كامل ينمو بمناعة هشّة أمام الأوبئة وسوء التغذية. إن قرار مجلس الوزراء رقم 18 لعام 2002م ليس رفاهية قانونية، بل هو سياج أمني وصحي حان الوقت لنفض الغبار عنه وتحويله إلى سيف مسلط على الشركات التي تتاجر بصحة المواليد. إن إنقاذ أطفال اليمن يبدأ من تشريعات صارمة تجرم التسويق داخل المستشفيات، وينتهي بوعي مجتمعي يعيد للرضاعة الطبيعية قدسيتها وقيمتها الحيوية.