شهدت العاصمة المؤقتة عدن الخميس الماضي اختتام أعمال المؤتمر الدولي العاشر لطب الأسنان، بعد ثلاثة أيام حافلة بالجلسات العلمية والنقاشات الأكاديمية التي جمعت نخبة من الأطباء والباحثين والأكاديميين من مختلف المحافظات اليمنية وعدد من الدول العربية، في واحدة من أبرز الفعاليات العلمية التي شهدها القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة. وجاء المؤتمر ليؤكد أن طب الأسنان في اليمن لا يزال قادراً على مواكبة التطورات العالمية رغم التحديات، من خلال الحضور العلمي الواسع، وتنوع الأبحاث، والنقاشات التي اتسمت بالعمق والتفاعل.
شراكة أكاديمية تعزز مسار التطوير
المؤتمر الذي نظمته جامعة عدن ممثلة بكلية طب الأسنان، بالشراكة مع نقابة أطباء الأسنان بعدن وجامعة العلوم والتكنولوجيا، شكّل منصة علمية متقدمة هدفت إلى تطوير التعليم الطبي السني وربط الجانب الأكاديمي بالممارسات الحديثة في التشخيص والعلاج وطب الأسنان الرقمي.
ولم يقتصر المؤتمر على تقديم المحاضرات التقليدية، بل سعى إلى فتح آفاق جديدة أمام الأطباء والطلاب والباحثين، عبر تبادل الخبرات واستعراض أحدث ما توصل إليه العلم في مختلف تخصصات طب الأسنان، إلى جانب تسليط الضوء على التحديات التي تواجه القطاع الصحي السني في اليمن، وسبل تجاوزها بالاعتماد على المعرفة والتقنيات الحديثة.
جراحة الفم.. خبرات عملية وحالات معقدة
في القاعة الأولى، قدّم الدكتور علي محمد حلبوب محاضرة بعنوان “النهج المشترك عبر الغدة النكافية وعبر العنق لورم نكافي ضخم مع امتداد بجوار البلعوم وتحول خبيث غير متوقع”، تناول فيها عدداً من الحالات الجراحية الصعبة التي واجهها خلال مسيرته المهنية.
واستعرض الدكتور حلبوب طرق التعامل مع هذه الحالات المعقدة، موضحاً الخطوات الدقيقة التي اتُّبعت أثناء العمليات الجراحية، مدعماً حديثه بعروض مرئية ومقاطع فيديو قصيرة وصور توضيحية لعمليات أُجريت بنجاح، الأمر الذي منح الحاضرين فرصة للاطلاع على تجارب عملية واقعية في جراحة الفم والوجه والفكين، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في التعامل مع الحالات النادرة والمعقدة.
زراعة الأسنان وتقنيات التعويض الحديثة
من جانبه، تناول الدكتور علي الحديد في محاضرته تقنية “الساندوتش” لزراعة الأسنان في المنطقة الخلفية من الفك السفلي، متحدثاً عن أساليب زراعة العظم المختلفة المستخدمة في هذا النوع من العمليات.
وأوضح الفروق بين طرق زراعة العظم، مستعرضاً مزايا وعيوب كل طريقة، ومدى فعاليتها في تحقيق نتائج مستقرة وطويلة الأمد للمرضى. كما تطرق إلى أهمية اختيار التقنية المناسبة بحسب طبيعة الحالة وكمية العظم المتبقية، مؤكداً أن التطور التقني في مجال الزراعة السنية أسهم بشكل كبير في رفع نسب نجاح العمليات وتحسين النتائج التجميلية والوظيفية.
التخدير الناحي.. محاضرة علمية حملت رسائل إنسانية
واحدة من أبرز محاضرات المؤتمر كانت للدكتور أحمد الحبيشي، والتي تناولت موضوع التخدير الناحي في تدبير عدوى المسافات العميقة في الرقبة، وهي من الحالات الطبية شديدة الخطورة التي تتطلب خبرة عالية ودقة كبيرة أثناء التعامل معها.
واستعرض الحبيشي عدداً من الحالات التي قد يعجز الطبيب قليل الخبرة عن التعامل معها بالشكل الصحيح، مبيناً أن أي خطأ في التخدير قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى الوفاة. كما عرض حالة حقيقية عبر شاشة العرض، موضحاً خطوات إجراء التخدير بطريقة آمنة والمريض في كامل وعيه، ثم كيفية إجراء العملية الجراحية بنجاح دون مضاعفات.
وقدّم خلال المحاضرة مجموعة من النصائح المهمة للأطباء حول كيفية التصرف مع هذه الحالات الحرجة، محذراً من الاستهانة بخطورتها أو التعامل معها دون معرفة علمية دقيقة.
وشهدت الجلسة نقاشاً علمياً واسعاً بينه وبين عدد من الأطباء الحاضرين، إلا أن ما ميّز المحاضرة كان أسلوب الدكتور الحبيشي الهادئ وتقبله للآراء المختلفة بروح أكاديمية منفتحة، الأمر الذي أضفى على الجلسة قيمة علمية كبيرة.
صحة أسنان الأطفال.. التوعية والتشخيص المبكر
بدورها، قدّمت الدكتورة مسار فاضل محاضرة بعنوان “نقص تمعدن الرحى والأنياب (MIH).. المينا الضعيفة والقرارات القوية”، استعرضت خلالها صوراً متعددة لعيوب الأسنان المختلفة لدى الأطفال، موضحة طرق العلاج المناسبة لكل حالة بحسب درجة الضرر.
كما تحدثت عن أمراض الأسنان الشائعة التي تصيب الأطفال، وأسبابها وطرق الوقاية منها، إضافة إلى كيفية التعامل مع الأطفال أثناء العلاج وتخفيف الآلام المصاحبة للحالات المرضية. وبيّنت الحالات التي تستدعي خلع الأسنان اللبنية، مقابل الحالات التي يمكن الحفاظ عليها بالعلاج المبكر، مؤكدة أن التشخيص الصحيح في المراحل الأولى يساهم بشكل كبير في حماية صحة الطفل الفموية مستقبلاً.
حضور عربي وتفاعل لافت
وفي مشاركة عربية مميزة، قدّمت الدكتورة زهور الطيب محاضرة بعنوان “ما وراء البثور: الحالة اللثوية والسيطرة الميكانيكية على اللويحة السنية لدى المرضى المصابين بمرض الفقاع الشائع”.
واستهلت محاضرتها بأبيات شعرية جميلة لاقت تفاعلاً واسعاً وتصفيقاً حاراً من الحاضرين، قبل أن تنتقل إلى استعراض الجوانب العلمية المتعلقة بالحالة المرضية وطرق التعامل معها. وقد عكست مشاركتها الحضور العربي الفاعل في المؤتمر، وأهمية تبادل الخبرات الطبية بين الأطباء والباحثين من مختلف الدول.
التسوس عند الأطفال.. خطر متزايد وحلول وقائية
كما ناقش الدكتور بشير علي مبخوت عدداً من الدراسات العالمية المتعلقة بتسوس الأسنان لدى الأطفال، موضحاً أن نسب التسوس لدى الأطفال أصبحت أعلى مقارنة بالكبار في كثير من دول العالم.
وبيّن الأسباب المؤدية إلى التسوس، والعوامل المرتبطة بنوعية الأسنان والعادات الغذائية والسلوكية، مشيراً إلى أن بعض الأسنان تكون أكثر عرضة للتسوس من غيرها بسبب طبيعتها التشريحية. كما استعرض الطرق الحديثة في الوقاية والعلاج، مؤكداً أهمية التوعية المبكرة للأهل والمتابعة الدورية للأطفال للحفاظ على صحة أسنانهم حتى اكتمال نموها بشكل سليم
الذكاء الاصطناعي وطب الأسنان الرقمي
وشهد المؤتمر سلسلة من المحاضرات العلمية المتخصصة التي تناولت زراعة الأسنان الرقمية، وتحليل وضبط الإطباق باستخدام الأنظمة الحديثة، وتقويم الأسنان وجراحة الفكين، إضافة إلى أوراق علمية ناقشت مستقبل الذكاء الاصطناعي في التعليم الطبي السني.
كما شهدت القاعة الثانية جلسات علمية ناقشت العلاج غير الجراحي لالتهابات الأنسجة الداعمة للأسنان، والإدارة القائمة على الأدلة للأسنان المعالجة عصبياً، والتخطيط السيفالومتري وخطوات التشخيص التقويمي، في خطوة عكست اهتمام المؤتمر بمواكبة التطورات العلمية العالمية وتعزيز المهارات العملية والبحثية للأطباء والطلاب.
ختام ناجح يعكس الحضور العلمي اليمني
واختُتم المؤتمر وسط إشادة واسعة بالمستوى العلمي والتنظيمي الذي شهدته الفعاليات، حيث أكد المشاركون أن المؤتمر الدولي العاشر لطب الأسنان بعدن شكّل محطة علمية مهمة لتبادل الخبرات وتعزيز التواصل الأكاديمي بين الأطباء والباحثين.
كما عكس المؤتمر صورة مشرّفة عن قدرة المؤسسات الأكاديمية والطبية اليمنية على تنظيم فعاليات علمية كبيرة بمستوى مهني متميز، وترسيخ حضور اليمن في المحافل العلمية الإقليمية والدولية، بما يسهم في تطوير القطاع الصحي والارتقاء بخدمات طب الأسنان في المستقبل.