آخر تحديث :الجمعة-15 مايو 2026-02:03ص
أدب وثقافة

لَحْنُ الفُرَاتِ

الجمعة - 15 مايو 2026 - 12:40 ص بتوقيت عدن
لَحْنُ الفُرَاتِ
المصدر: كتب/ محمد الجعمي:

سكنَ الليلُ، وأنا أُراقبُ النجومَ،

كظاعنٍ لم تغِبْ عدنُ عن طرفهِ.

أو كأنّي ذلكَ السّندبادُ الدّمشقيُّ الّذي قالَ، وهو يُناغي العراقَ:

«إنّني السّندبادُ... مزّقني البحرُ،

وعينا حبيبتي الميناءُ.

مرحبًا يا عراقُ، جِئتُ أُغنّيك،

وبعضٌ من الغِناءِ بكاءُ».


كنتُ دائمًا أُدندنُ مع الأميرِ الدّمشقيِّ نزار قباني، وأستعيدُ محمودَ الجواهريَّ، وهما يَندُبانِ العُمرَ الّذي ذهبَ في الغربةِ، بعيدًا عن مرابعِ الصّبا ومدارجِ الطّفولةِ.


همستِ النجومُ إليَّ: «هل تُحبُّ العراقَ؟»

فقلتُ: «بلى، ومن ذا الّذي لا يُحبُّ العراقَ؟»

ثمَّ أسرّتْ إليَّ: «هل قلتَ فيه شِعرًا؟»

فكانتْ هذه القصيدةُ للعراقِ

في ليلةٍ عدنية من ليالي تشرين نوفمبر 2019


لَحْنُ الفُرَاتِ


شَاخَ الحَنِينُ، وَضَاقَ اللَّحْنُ بِالوَتَرِ

يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ، هَلْ فِي الغَيْبِ مِنْ خَبَرِ؟


تَعِبْتُ أَرْقُبُ بِالأَسْحَارِ سَارِيَةً

مَتَى سَتَرْجِعُ، يَا بَغْدَادُ، بِالثَّمَرِ؟


أَيْنَ الرَّشِيدُ؟ تَمُرُّ الآنَ أَخِيلَةٌ

فَهَلْ تَرَى لِطُيُوفِ المَجْدِ مِنْ أَثَرِ؟


مَوَاسِمُ الحُبِّ فِي مِحْرَابِهَا سُفِكَتْ

دِمَاءُ مَنْ أَبْحَرُوا يَوْمًا إِلَى القَمَرِ


مُذْ كَانَتِ الأَرْضُ، وَالأَحْلَامُ مُجْدِبَةٌ،

وَالأُمْنِيَاتُ عَصَافِيرٌ عَلَى الشَّجَرِ


قَلْبِي فُرَاتٌ، فَهَلْ لِلْبَوْحِ أَشْرِعَةٌ

إِلَّاكِ بَغْدَادُ، يَا تَرْنِيمَةَ المَطَرِ؟


تَعِبْتُ أَنْدُبُ، يَا بَغْدَادُ، مَنْ رَحَلُوا

وَمَا رَجَعْتُ بِغَيْرِ السُّهْدِ وَالكَدَرِ


قَصَائِدِي حِبْرُهَا مِنْ دَمْعِ أَوْرِدَتِي

وَلَحْنُهَا مِنْ عَذَابَاتِي وَمِنْ ضَجَرِي


قَلْبِي فُرَاتٌ، عِرَاقُ العُرْبِ نَكْهَتُهُ

وَهَذِهِ الأَرْضُ مِنْ طِينِي وَمِنْ حَجَرِي


كَمْ أَغْرَقُوا فِي بُحُورِ الخَوْفِ ذَاكِرَتِي

وَمَا نَسِيتُ تَفَاصِيلِي وَلَا صُوَرِي


لِلسُّومَرِيِّينَ هَذَا اللَّحْنُ تَعْزِفُهُ

نَوَارِسُ الحُبِّ وَالأَنْسَامُ بِالسَّحَرِ


لِلْبَابِلِيِّينَ هَذَا العِطْرُ تُرْسِلُهُ

حَدَائِقُ الوَرْدِ بَيْنَ المَاءِ وَالشَّجَرِ


أَتَيْتُ أَحْمِلُ حُزْنَ الأَرْضِ فِي لُغَتِي

فَكَيْفَ أَهْرُبُ مِنْ حُزْنِي وَمِنْ قَدَرِي؟


مِنْ طُهْرِ مَكَّةَ، مِنْ مَسْرَى «الحَبِيبِ» أَنَا

مِنْ مَنْبِتِ العُرْبِ يَشْدُو لِلْمُنَى وَتَرِي


هَا جِئْتُ يَحْمِلُنِي شَوْقٌ وَقَافِيَةٌ

مِنْ أَجْلِ عَيْنَيْكِ، يَا مَعْسُولَةَ النَّظَرِ


أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ جَهْلٍ وَمِنْ نَزَقٍ

وَمِنْ أَنِينٍ سَرَى بِالخَوْفِ وَالخَطَرِ


وَعَابِدٍ يَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً

وَيَرْتَجِي العَوْنَ مِنْ زَيْدٍ وَمِنْ عُمَرِ


وَأُمَّةٍ تَقْرَأُ القُرْآنَ فِي عَجَلٍ

وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الشِّعْرِ وَالهَذَرِ


«اسْتَوْدِعُ اللَّهَ فِي بَغْدَادَ لِي قَمَرًا»

يَطُلُّ مِنْ شُرْفَةٍ تَخْتَالُ بِالمَطَرِ


فَارَقْتُهُ، وَالهَوَى تَهْمِي لَوَاعِجُهُ

وَلَمْ يَغِبْ طَيْفُهُ يَوْمًا عَنِ البَصَرِ