آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-10:21ص
أخبار وتقارير

السرطان في اليمن... سموم الحرب تتغلغل في الأجسام

الأربعاء - 13 مايو 2026 - 10:13 ص بتوقيت عدن
السرطان في اليمن... سموم الحرب تتغلغل في الأجسام
المصدر: عدن الغد - العربي الجديد

بين الصرخات في المراكز الصحية بمدينة تعز اليمنية وتحذيرات العلماء من تسمّم الأحواض الجوفية بسبب ملوثات الحرب، يجد مرضى السرطان أنفسهم عالقين في إحدى أكبر الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم، حيث لا يتوفر العلاج المناسب والضروري إلا في خُمس المرافق فيُصبح البقاء على قيد الحياة ترفاً لا يملكه إلا قليلون.

لم تترك أكثر من عشر سنوات من الحرب في اليمن ركاماً من الحجر فقط، بل زرعت في التربة والمياه قنابل موقوتة من الملوثات الكيميائية والسموم الجينية. وكشفت دراسات علمية وتقارير ميدانية أخيراً علاقة مرعبة بين جغرافية الحرب وتصاعد الإصابات بالأورام السرطانية بمعدلات غير مسبوقة وصولاً إلى أكثر من 21% في بعض المناطق.

في مستشفى متخصصة في علاج الأورام بمدينة تعز، يخضع الطفل مهند (13 سنة) منذ أشهر لعلاج سرطان الدم اللوكيميا الذي اضطر والده القادم من محافظة لحج إلى بيع قطعة أرض من أجل توفير مبالغ علاج، لكن ذلك لم يمنع تضاؤل أمل العائلة مع مرور الوقت.

يقول والد مهند لـ"العربي الجديد": "قصدت مستشفيات عدة من دون أن تتحسّن حالة ابني، واضطررت إلى إحضاره إلى المركز المتخصص في تعز بأمل أن يتماثل، لكن الوقت يمر بلا تقدم كبير، ونحن نعاني كثيراً في توفير تكاليف علاجه، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية، كما أن الخدمات الطبية متواضعة، وينصحني كثيرون بأن أنقله إلى الخارج لكنني لا أملك المال الكافي لفعل ذلك، لذا أستمر في علاجه هنا، وأنا راضٍ بما يكتبه القدر".

وبالنسبة إلى الطفل مهند، فهو أحد الأطفال اليمنيين الذين أصيبوا بالسرطان نتيجة عوامل مختلفة، في مقدمها مخلفات الحرب، علماً أن عائلته تسكن في منطقة قريبة من خطوط التماس بمحافظة لحج، والتي تفصل بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً وتلك التي تقع تحت سيطرة الحوثيين، وتستمر فيها المعارك منذ سنوات.

وتتشابك في اليمن مأساة الأورام السرطانية بين مطرقة التلوث البيئي وسندان انهيار القطاع الصحي، فالحرب التي تشهدها البلاد منذ عام 2015 لم تحصد الأرواح بالقصف المباشر فقط، بل خلّفت وراءها بيئة موبوءة بالمعادن الثقيلة والمخلفات السامّة التي تغلغلت في أجساد الصغار خلال مراحل نموهم الحرجة.

وترافق الهجوم الكيميائي الصامت مع شلل شبه تام في البنى التحتية لقطاع الصحة. وتفيد تقارير أممية حديثة بأن تصنيف اليمن حالة طوارئ من الدرجة الثالثة، وهي أعلى مستوى لتفعيل حالات الطوارئ لدى منظمة الصحة العالمية، يعكس حجم الاحتياجات الصحية والمخاطر الفورية لزيادة معدلات الوفيات من دون دعم مستمر.

وتدخل الاستجابة الصحية الإنسانية مرحلة أكثر صعوبة في اليمن هذا العام، إذ يؤدي نقص التمويل وانعدام الأمن إلى انسحاب الشركاء الصحيين تدريجياً في المحافظات الشمالية، ما يخلق فجوات واسعة في الرعاية الأولية والثانوية.

وفيما دفع التزايد الكبير في عدد الإصابات بالأورام خلال سنوات الحرب، وزيادة حالات الوفيات، متخصصين إلى البحث عن الأسباب التي تقف وراء هذا الأمر، توصلوا إلى قناعة بأن مخلفات الحرب في مقدمة الأسباب. وأجرى عدد منهم دراسة علمية هذا العام بعنوان "عبء السرطان واتجاهاته في اليمن: الأنماط الوبائية وتحديات الرعاية الصحية، 2020-2025" اعتمدت على البيانات العالمية للسرطان وتقارير محلية حديثة. وأشارت النتائج إلى وجود ارتباط محتمل بين مخلفات الحرب، خصوصاً المقذوفات غير المنفجرة والتربة الملوثة، وبين تزايد حالات الأورام في مناطق التماس، مثل تعز والحديدة. ورصد الباحثون تراكماً للمعادن الثقيلة والمواد السامّة الناتجة عن القصف، وهي عوامل معروفة علمياً بقدرتها على إحداث تلف في الحمض النووي (DNA) وزيادة التحوّلات السرطانية.

وبحسب الدراسة، سجلت نحو 16.476 إصابة سرطان جديدة و12.103 وفيات في اليمن عام 2020، وارتفعت الإصابات إلى نحو 18.093 عام 2025، مع تسجيل نسبة زيادات تجاوزت 20% في بعض المناطق.

​ويؤكد الخبراء أن التعامل مع تلوث بيئة الحرب يجب أن يكون أولوية طبية عاجلة، عبر دعم التشخيص، وإجراء مسوحات بيئية، وتعزيز أنظمة رصد السرطان لتفادي كارثة صحية طويلة الأمد.

ويقول الدكتور في علم الأوبئة السريرية والعلوم الطبية والجراحية عبد العظيم الصلوي الذي شارك في إعداد الدراسة، لـ"العربي الجديد": "هناك مؤشرات مقلقة لظهور حالات سرطانية بخصائص غير نمطية، خاصة بين الأطفال، في مناطق تعرضت لقصف كثيف، وسجلنا ارتفاعاً نسبياً في حالات سرطان الدم والأورام اللمفاوية، وهذه أنواع ترتبط بحساسية عالية للتلوث البيئي، ويُعرف ذلك بـ"الجغرافيا الصحية" حيث يتركز المرض في مناطق محددة، ما يشير إلى أن الخطر ليس عابراً، بل مستمر بعد توقف العمليات العسكرية بسبب بقاء الملوثات في البيئة فترات طويلة".

ويؤكد أن "الأرقام الحالية تمثل فقط الحدّ الأدنى من الواقع، فضعف التشخيص المبكر ونقص المختبرات المرجعية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، عوامل تؤدي إلى عدم تسجيل عدد كبير من الحالات، كما أن الحرب والنزوح والفقر ساهمت في تعميق هذه الفجوة، ما يجعل العبء الحقيقي للمرض أكبر بكثير من المعلن".

ويرى الدكتور أشرف النهاري، المتخصص في الوراثة الجزيئية والكيمياء الحيوية في جامعة صنعاء، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "المخلفات الكيميائية والمعدنية للأسلحة التقليدية تمثل أخطر التحديات البيئية والصحية في اليمن بعد عقد من النزاع (2015-2026)، والخطر لم يعد يقتصر على الانفجارات، بل يمتد إلى التسميم الصامت للأرض والإنسان نتيجة تراكم المعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق والمركبات العضوية لمتفجرات مثل تي إن تي وإر دي إكس، وصولاً إلى اليورانيوم المنضب الذي يهدد النخاع العظمي".

​ويشير النهاري إلى أن "المدن الكبرى مثل صنعاء وتعز وعدن والحديدة تعاني من تلوث حادّ في أحواض المياه الجوفية واستنشاق السكان للهواء السام، ما يؤدي إلى نشوء أورام سرطانية عبر آلية السميّة الجينية التي تسبب طفرات غير قابلة للإصلاح في الحمض النووي. ويرتبط هذا التلوث مباشرة بارتفاع حالات سرطان الدم والرئة والكلى والتشوهات الخلقية نتيجة ترسب السموم في الجسم".

​ولمواجهة هذه الكارثة يقترح النهاري حلولاً تقنية متقدمة تشمل المعالجة النباتية والميكروبية لامتصاص وتحليل الملوثات، والأكسدة الكيميائية لتطهير المياه. ويشدد على ضرورة تنفيذ مسح ميداني وطني شامل عام 2026 لتقييم مستويات السموم في التربة والأنسجة البشرية وتحديد البؤر الساخنة. ويؤكد أن "إنشاء قاعدة بيانات مركزية بالتنسيق مع المنظمات الدولية هو حجر الأساس لحماية الأجيال القادمة من الأورام المزمنة وتطهير الأرض اليمنية من سموم الحرب".

وتعد الأرقام الخاصة بتزايد حالات الإصابة بالأورام مخيفة. وذكر تقرير أصدرته وزارة الصحة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً في يونيو/ حزيران 2024 أن عدد حالات مرضى السرطان ارتفع منذ بداية الحرب في 2015 بنسبة 50%، وأن هناك أكثر من 90 ألف حالة مسجلة لدى المركز الوطني للأورام منها 40 ألفاً منذ بداية الحرب نتيجة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، فضلاً عن إصابة 30 ألف طفل بالسرطان. وبحسب الإحصاءات ارتفعت الإصابات بمرض سرطان الدم في أوساط الأطفال من 300 إلى 1700 في صنعاء والمحافظات.

إلى ذلك سجل مركز "الأمل" المتخصص في مكافحة السرطان في مدينة تعز زيادة حادّة في الإصابات الجديدة خلال عام 2025. ووثّق التقرير السنوي الذي أصدره في فبراير/ شباط الماضي 1967 إصابة جديدة بنسبة ارتفاع 21% عن العام السابق، ما رفع إجمالي الحالات المقيّدة في المركز إلى أكثر من 15 ألفاً. وشكلت النساء الكتلة الأكبر من المصابين بـ1050 حالة، ثم الرجال (755)، والأطفال (162)، وسُجل نحو ربع هذه الحالات في محافظات مجاورة، أبرزها إب.

​ويعزو مركز "الأمل" هذا التصاعد إلى تدهور الأوضاع المعيشية التي تعيق التشخيص المبكر، إضافة إلى الارتفاع الحادّ في تكاليف الأدوية والخدمات الطبية في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد. ورغم أن المركز قدم نحو 363 ألف خدمة علاج وإيواء العام الماضي، لكنه أطلق نداء استغاثة عاجلاً للمنظمات الدولية والمانحين لدعم استمرار خدماته أمام تزايد عدد المصابين الذي يفوق إمكاناته المتاحة.

يواجه مرضى السرطان في اليمن مأساة مزدوجة، فبينما تسبب الصراع المستمر في أكبر أزمة إنسانية من صنع الإنسان في العالم، وحرم ملايين من حقوقهم الصحية الأساسية، تهاوى نظام الرعاية المتخصص في الأورام بشكل دراماتيكي منذ عام 2016 إثر إغلاق مراكز علاجية عدة نتيجة استنزاف الكوادر الطبية ونضوب المعدات والأدوية.

وجعل هذا الانهيار الذي عمّقه التدهور الاقتصادي والقيود المفروضة على الاستيراد، العلاج بعيد المنال إلا في خُمس المرافق الصحية فقط، ما أجبر آلاف المرضى على تكبد عناء السفر الشاق بين المحافظات بحثاً عن بصيص أمل في المراكز القليلة الباقية، أو مواجهة الموت الحتمي خلف قوائم انتظار طويلة تفتقر إلى أدنى مقومات الرعاية المنقذة للحياة.

ويشير تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية في شباط الماضي إلى أنه "بعد أكثر من عقد من الأزمات، لا يزال اليمن يواجه واحدة من أكثر حالات الطوارئ الصحية تعقيداً في العالم". وتشير تقديرات إلى أن 23.1 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، في حين لا تزال نحو 60% فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها، ما يترك ملايين من دون وصول مضمون إلى الرعاية الأساسية.