استضاف برنامج "ثلاثين دقيقة" الذي تقدّمه الإعلامية خديجة سيف عبر إذاعة عدن الغد، الدكتور عبد الرقيب العكيشي، المدير الفنّي لوحدة تغيّر المناخ بوزارة المياه والبيئة، في حوار تطرّق إلى التحدّيات المناخية التي تواجه اليمن ومدينة عدن على وجه الخصوص. وخلال اللقاء، أدلى الدكتور العكيشي بتصريحات صريحة ومباشرة، ننقلها هنا بنصّ كلامه كما ورد على الهواء.
في مستهلّ اللقاء، وجّه الدكتور العكيشي الشكر للإذاعة على تغطيتها لتأثيرات تغيّر المناخ، معقّباً بالقول: "شكرا على التغطية الأوّلية المقدّمة الرائعة حول تأثيرات تغيّر المناخ، وهذا يعتبر مهمّاً جداً بالنسبة لوسائل الإعلام لتوضيحه للسكّان ولأصحاب القرار".
وحين أشارت المذيعة إلى تمنّيها التوفيق في تقديم الأرقام بشكل صحيح، أوضح: "طبعاً، الأرقام تختلف. أنتم اعتمدتم كثيراً على الهيئة الدولية للأرصاد، وهي هيئة معترَف بها دولياً وتهتم كثيراً بالأرصاد الجوية، إلّا أنه في تغيّر المناخ عادةً ما يتم الاعتماد كثيراً على الهيئة الحكومية الدولية للتغيّر المناخي، وهي هيئة تابعة للاتفاقية الإطارية للتغيّر المناخ، وترفع تقارير على فترات متتالية عن التغيّر المناخي على مستوى العالم، ومنها ما مثلاً ارتفاع منسوب سطح البحر، الاتجاه العالمي في الارتفاع في درجات الحرارة أو العناصر الأخرى للمناخ".
المناخات المتطرّفة: الخطر الأصعب
وحول التباين المناخي بين الفيضانات والجفاف في العالم، قال العكيشي: "السؤال مهم، لأن الكثير من الناس يعتقدون أن التغيّرات المناخية فقط ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة الفيضانات، وهذان العنصران من ارتفاع درجة الحرارة والفيضانات يمكن توقّعها، وهناك تنبّؤات وسيناريوهات للتغيّرات المناخية. الأكثر خطورة هو ما يُسمّى بالمناخات المتطرّفة، سواء بارتفاع درجة الحرارة المفاجئ ببعض المناطق أو الفيضانات المفاجئة، وهذه يكون الاستعداد لها الأقلّ، ومواجهتها تكون أكثر صعوبة. لذلك، بشكل عام في العالم، كما قلتِ، كثير من مناطق العالم كانت مناطق جافّة وصار فيها أمطار غزيرة، والبيئة والسلطات وغيرها غير جاهزين لمواجهة هذه التغيّرات. لذلك، في التغيّرات المناخية هناك ارتفاع درجات الحرارة، الفيضانات، بالإضافة - وهذا جزء مهم كما ذكرتِ - موضوع المناخات المتطرّفة، وهي خاصة في السنوات الأخيرة من الأعاصير والفيضانات المفاجئة كما حصل في اليمن".
عدن: مدينة تتجمّع فيها كل الظواهر
وعن أبرز التحدّيات التي تواجه السلطة المحلية في عدن، قال: "المهمّة نعتقد أنها مهمّة صعبة، وهي مهمّة تحتاج تضافر الجهود من الجميع؛ من سلطة محلّية، ومن مكاتب حكومية، منظمات مجتمع مدني، أيضاً السكّان المحلّيين ومدى مستوى الوعي. عدن تأتي إليها تقريباً جميع تأثيرات التغيّر المناخي، سواء من ارتفاع درجة الحرارة باعتبارها - حسب التنبّؤات الأخيرة - ارتفاع شديد في مستوى درجة الحرارة في المناطق الجنوبية الغربية سواحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى الفيضانات حيث تشمل مصب وادي تُبَن، والتنبّؤات تشير إلى ارتفاع مستوى سقوط الأمطار في المناطق العليا يصل إلى 80 سم زيادة في العام حتى 2060. الشيء الآخر المهم أيضاً ارتفاع مستوى سطح البحر، والذي يؤدّي أيضاً إلى ارتفاع منسوب مياه البحر، وبالتالي تسرّب المياه المالحة إلى المياه العذبة في المناطق القريبة من الساحل. يعني في عدن الآن تقريباً كل ظواهر التغيّر المناخي موجودة، وهذا يعتبر يشكّل عبئاً كبيراً مع الأعباء التي ذكرتِها سابقاً؛ أعباء الحرب، وأعباء النزوح، وأعباء الاقتصاد، يشكّل عبئاً آخر. لذلك تحتاج عدن إلى أن تتضافر جهود الجميع، الجهات سواء من السلطة أو المنظّمات المحلّية والدولية وكذلك المكاتب الحكومية".
خرائط الغرق تبدأ من المطار
ورداً على سؤال المذيعة عن أحياء عدن المعرّضة للغرق، أجاب: "أي، طبعاً. أوّل التنبّؤات التي تم عملها، الدراسات التي تم إعمالها على عدن كانت في تقريباً 2007 أو 2015، والتي هي خرائط ارتفاع تنبّؤات سطح البحر في عدن، كان تنبّؤاً إلى 2060 وتنبّؤاً إلى 2100. طبعاً الكثير من المناطق، وعلى رأسها المطار الدولي لعدن، يُعتبر من المناطق المعرّضة للغرق. منها أيضاً مناطق خور مكسر، مناطق العريش، إلى مناطق وسط، مناطق الشيخ عثمان، مناطق كثيرة في البريقة، هذه المناطق كلّها معرّضة للغرق تحت سطح البحر، لأنّ أصلاً بعضها تحت سطح البحر فعلياً كمستوى ارتفاع. لذلك المهمّة صعبة وبشكل مهم يجب أن نشير إلى أن الفرصة موجودة، والتخطيط يجب أن يبدأ من الآن، لأن هذه المناطق كما هو معروف وهناك خرائط منشورة للمناطق التي يمكن أن تتعرّض للغرق سواء في 2060 إلى 2100، وفي أيضاً دراسات حديثة إلى 2040".
التوسّع العشوائي: بداية المواجهة المفقودة
وحول تأثير البناء العشوائي على مخاطر المدّ البحري، قال: "هذا، أنا أعتقد هو أوّل بداية العمل، أو بداية المواجهة للتغيّرات المناخية، وهو تخطيط. طبيعة عدن تنقسم تقريباً إلى ثلاث مناطق جغرافية: مناطق الجبال في التواهي والمعلا وكريتر، بالإضافة إلى مناطق السهل الفيضي والتي هي مناطق دلتا تُبَن، الشيخ عثمان والمنصورة والممدارة وغيرها والعريش، بالإضافة إلى المناطق الساحلية المباشرة والمناطق المفتوحة التي هي في البريقة وجهة رأس عمران وغيرها. لذلك هذا التأثير يؤثّر على البنية التحتية أوّلاً، يؤثّر على الجانب الصحّي، يؤثّر أيضاً على توفّر المياه، يؤثّر أيضاً على المناطق الطبيعية مثلاً مثل محمية الحسوة أيضاً من المناطق التي ستغرق تحت مستوى سطح البحر. ولكن كما قلت، الفرصة موجودة، وخاصة أنه عندنا تنبّؤات مستقبلية وخرائط جاهزة للمناطق التي يمكن أن تتعرّض للغرق".
لماذا عدن أكثر عرضة للعواصف المدارية؟
وفي تفسيره لزيادة تعرّض عدن للعواصف، قال العكيشي: "بشكل عام، التأثيرات المناخية تكون على مستويات متباعدة. بمعنى أن التأثير المناخي الذي يحصل اليوم هو عبارة عن تأثير ليس الحالي، ليس للسنة هذه أو السنوات الخمس السابقة، ولكن هو التأثير الناتج عن التغيّر المناخي لمدّة 30 سنة ماضية. لذلك، في كثير من مناطق العالم بدأت تأثيرات تغيّر المناخ التي كانت في بعض الأحيان تُعتبر مجرّد تنبّؤات وتوقّعات ولا يأخذ الكثير أهمّية لها، صارت الآن التأثيرات واضحة، ليس في عدن فقط ولكن على مستوى العالم. الشيء الذي حصل في منطقة خليج عدن، أن هذه المناطق صارت معرّضة أكثر للأعاصير، وصارت معرّضة كثيراً للفيضانات المفاجئة من المناطق المرتفعة. الذي يزيد من المشكلة هو التخطيط، يعني عدن المفروض مدينة حديثة، ولكن التخطيط والبناء العشوائي خاصة في ممرّات الأودية، المناطق القريبة جداً للساحل، في المناطق المفروض أن تكون مناطق مفتوحة التي تمتص فيضانات، كثير من الأشياء لم يتم حتى الآن العمل عليها".
قنوات التصريف: لا إجراء فعلي حتى الآن
وعن كفاءة تصريف مياه الأمطار في عدن، قال: "إلى الآن، أنا أعتقد أنه ما في أي إجراء فعلي لمواجهة التغيّرات المناخية، سواء في سائلة عدن أو في حتى كفاءة المجاري وشبكات المياه. ما زال العمل تقليدياً، حسب العادة في صيانة وتحديث لبعض القنوات. ولكن الفيضانات، حتى الفيضان الأخير الذي جاء في منطقة الحسوة في السنة السابقة، هذا مجرّد إنذار، وليس فقط ما يمكن أن يحدث. ما يمكن أن يحدث يمكن أن يكون أضعاف وأضعاف ما تمّت مشاهدته في السنوات السابقة من الفيضانات. لذلك، أنا أعتقد أنه لحد الآن لا يوجد اتّجاه واضح، أو حتى إذا قُدّر، سواء قدرة مالية أو قدرة مؤسسية أو قدرة فنّية لمواجهة التغيّرات المناخية، ما عدا بعض الجهود البسيطة التي تقوم بها السلطة المحلّية، وزارة المياه والبيئة، أو وزارة الصحّة، ولكن جهود تعتبر متواضعة".
خليج عدن: من ابيضاض الشعب المرجانية إلى هجرة الأسماك
وعن تأثير ارتفاع حرارة البحر على الثروة السمكية، قال: "أي، طبعاً. خليج عدن يُعتبر من مناطق التنوّع الحيوي المهمّة. كثير من الدراسات تشير إلى وجود الكثير من الشعاب المرجانية والطحالب والحشائش البحرية، بالإضافة إلى تنوّع في جانب الأسماك والفقاريات واللافقاريات البحرية. ارتفاع درجة الحرارة يؤثّر بشكل كبير وخاصة على بعض الكائنات البحرية الحسّاسة، وعلى رأسها الشعاب المرجانية، حيث يؤدّي إلى ابيضاضها وموتها، وبالتالي ابيضاض الشعاب المرجانية، والشعاب المرجانية هي بداية السلسلة الغذائية لكثير من الأنواع السمكية، وبالتالي هذا يؤثّر بشكل مباشر على الإنتاج السمكي. فارتفاع درجة حرارة البحر يؤدّي إلى نقص إمدادات الغذاء للأسماك والكائنات البحرية الاقتصادية، وبالتالي التأثير على الإنتاج السمكي. من جهة أخرى، ارتفاع درجات البحر قد يؤدّي أيضاً إلى بعض التغيّرات الكيميائية وزيادة الحموضة البحرية، وقد يؤدّي أيضاً إلى هجرة بعض الأنواع السمكية والحيّة البحرية إلى مناطق أخرى نتيجة عدم ملاءمة البيئة لحياتها. لذلك، التأثير متشابك بالنسبة لارتفاع درجات الحرارة، وبشكل عام يؤدّي إلى نقص الإنتاج السمكي والأحياء البحرية".
تمويل المناخ: التزام وليس دعماً
وبخصوص مسؤولية الدول الصناعية، قال: "أولاً، ليس دعماً دولياً لكنّه التزام، حسَب اتفاق باريس. الدول تقسّمت إلى ثلاث مجموعات: التي هي دول المرفق الأوّل، دول المرفق الثاني، ودول اللامرفق. الدول المرفق الأوّل والثاني هي الدول المتسبّبة بشكل رئيسي عن الانبعاثات، والدول اللامرفق هي الدول المتأثّرة بالتغيّرات المناخية. في اتفاق باريس التزام بالتمويل المناخي ليشمل التكيّف والتخفيف. وفي السنوات الأخيرة تم أيضاً عمل صندوق الخسائر والأضرار. لذلك، ليس دعماً لكنّه التزام، والالتزام هذا ملزِم حسب اتفاق باريس، اتفاقية ملزِمة لهذه الدول. صندوق المناخ الأخضر، صندوق التكيّف، ومرفق البيئة العالمية، والتي هي الصناديق السيادية، صندوق المناخ الأخضر، صندوق التكيّف تحت الاتفاقية الإطارية لتغيّر المناخ، ملزَمون بدعم الدول المتضرّرة التي هي دول المرفق في مواجهة التغيّرات المناخية. طبعاً تعتمد كثيراً، في الخطوة الثانية، على الدولة نفسها، مدى جاهزيتها سواء في عمل مقترحات المشاريع أو توفير البيانات أو التقارير. وهذا ما تم عمله في السنوات الأربع إلى الخمس الأخيرة في وحدة تغيّر المناخ في وزارة المياه والبيئة، حيث بدأنا باستيفاء متطلّبات هذه الصناديق، وصرنا مؤهّلين للحصول على التمويلات، وبدأنا الآن مشاريع. منها مشاريع جاهزية التي هي تعدّ القوانين، التشريعات، الخطط، الاستراتيجيات. حالياً معنا الخطّة الوطنية للتكيّف، معنا البرنامج الوطني للتمويل المناخي، معنا اشتغلنا الخطّة الاستراتيجية منخفضة الكربون للتنمية، اشتغلنا أيضاً التقارير حول التقنيات التكنولوجية المتناسبة مع التغيّر المناخي، في جهود كبيرة. بالإضافة إلى مشاريع الآن في سقطرى وحوف تابعة لمرفق البيئة العالمي، مشروع الأودية في وادي تبن في مواجهة أضرار التغيّرات المناخية وشحّة المياه، في مشاريع كثيرة في وحدة المناخ. منها أيضاً الآن نعمل مع البنك الدولي في مشروع المعلومات، المياه والمناخ والإنذار المبكّر، وهو مشروع استراتيجي مهم يُبنى عليه جميع المشاريع اللاحقة. حالياً أيضاً نشتغل مع اليونيسف في تقييم - الذي نتكلّم عليه اليوم - في تقييم المناطق الساحلية والهشاشة المناخية في المناطق الساحلية، والتي تعتبر أولويات أساسية لتقديم المشاريع لصناديق المناخ. في جهود كبيرة لا يتّسع حتى الوقت لذكر العديد منها في وحدة تغيّر المناخ في وزارة المياه والبيئة، وبدأنا نتلقّى تمويلات لا بأس بها من صندوق المناخ الأخضر، معنا من صندوق التكيّف، ومعنا من مرفق البيئة العالمية، وحالياً في الخطوات النهائية للحصول على التمويل أيضاً من صندوق المناخ الأخضر".