آخر تحديث :الثلاثاء-31 مارس 2026-02:46م
أخبار وتقارير

استعادة أملاك الدولة في عدن… لحظة مفصلية بين فوضى الماضي وبناء الدولة

الثلاثاء - 31 مارس 2026 - 01:45 م بتوقيت عدن
استعادة أملاك الدولة في عدن… لحظة مفصلية بين فوضى الماضي وبناء الدولة
(عدن الغد) خاص:


منذ العام 2011، دخلت عدن – كغيرها من المدن اليمنية – مرحلة اضطراب عميقة، تراجعت فيها سلطة الدولة وتفككت أدواتها الرقابية، لتبدأ واحدة من أخطر الظواهر التي رافقت تلك المرحلة: الاستيلاء المنظم على المباني الحكومية. لم يكن الأمر حينها مجرد تعديات فردية، بل تحوّل تدريجياً إلى واقع معقد فرضته مراكز نفوذ وقوى حزبية استغلت الفراغ، وتمدّدت على حساب الدولة ومؤسساتها.


ومع حلول العام 2015، دخلت المدينة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث توسعت هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق، وتمت السيطرة على عشرات المؤسسات والمرافق الحكومية، من مبانٍ خدمية وإدارية، إلى منشآت سياحية واستثمارية. ولم يعد الأمر يقتصر على الاستخدام المؤقت، بل أصبح واقعاً دائماً تم فيه تحويل ممتلكات الدولة إلى مقرات لجهات سياسية وعسكرية، دون أي سند قانوني أو إداري.


في هذا السياق، برز المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل كأحد أبرز الأطراف التي وضعت يدها على عدد كبير من هذه الممتلكات، واتخذت منها مقرات رسمية لهيئاتها، في مقدمتها مقر محافظ عدن، ومبنى وزارة التخطيط، وعدد من المنتجعات والمرافق السياحية، إضافة إلى مبانٍ حكومية أخرى ذات أهمية سيادية وخدمية. وقد تم ذلك في ظل واقع استثنائي غابت فيه الدولة، وحضرت فيه موازين القوة كبديل عن القانون.


اليوم، ومع بدء الدولة تحركاتها لاستعادة هذه الممتلكات، تبدو هذه الخطوة أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنها لحظة سياسية مفصلية تختبر قدرة الدولة على استعادة نفسها. فالدولة لا يمكن أن تمضي قدماً أو تبني مؤسساتها وهي محرومة من مقراتها، ولا يمكن أن تفرض حضورها وهي تعمل من مبانٍ مستأجرة، بينما أصولها السيادية خارج سيطرتها.


إن المفارقة الصارخة التي تعيشها عدن اليوم تتمثل في أن العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية تعمل من مقار مؤجرة، تتحمل الدولة تكاليفها الباهظة، في حين أن مبانيها الأصلية مشغولة من قبل جهات أخرى. هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يختصر أزمة دولة كاملة: دولة تدفع الإيجار لممارسة مهامها، بينما ممتلكاتها خارج يدها.


ومن هنا، فإن استعادة أملاك الدولة ليست خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة وجودية. فهي الخطوة الأولى في أي مسار حقيقي لإعادة بناء الدولة، وإعادة الاعتبار للمؤسسة الرسمية، وإنهاء مرحلة الفوضى التي سمحت بتحويل الممتلكات العامة إلى أدوات نفوذ.


سياسياً، تمثل هذه التحركات محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومراكز القوى التي نشأت في ظل الانهيار، وفرض معادلة جديدة عنوانها: لا سلطة خارج إطار القانون. غير أن هذه المهمة لن تكون سهلة، في ظل محاولات بعض الأطراف – وعلى رأسها بقايا المجلس الانتقالي – تصوير هذه المباني على أنها “مقرات خاصة”، رغم أن واقعها القانوني يثبت أنها ممتلكات دولة لم يتم نقل ملكيتها أو تخصيصها لأي جهة.


هذا الخطاب لا يعكس فقط محاولة لتبرير واقع غير قانوني، بل يمثل امتداداً لمرحلة سابقة جرى فيها التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة، لا كياناً جامعاً. ولذلك، فإن مواجهة هذا الواقع لا تتطلب فقط قرارات إدارية، بل إرادة سياسية واضحة لا تقبل التراجع أو المساومة.


اقتصادياً، فإن استعادة هذه الممتلكات – خصوصاً المنشآت السياحية والمرافق الحيوية – تفتح الباب أمام إعادة تشغيلها ضمن إطار الدولة، بما ينعكس على تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، واستعادة موارد مهدورة. كما أنها تخفف من الأعباء المالية الناتجة عن استئجار مقرات بديلة للمؤسسات الحكومية.


أما على المستوى الاجتماعي، فإن هذه الخطوة تحمل رسالة بالغة الأهمية للمواطنين: أن الدولة بدأت تعود. فالمواطن الذي يرى مؤسسات بلاده تستعيد مقراتها، وتعمل من أصولها، سيشعر بأن هناك تحولاً حقيقياً، لا مجرد شعارات.


لكن في المقابل، فإن هذه اللحظة تظل حساسة، وتتطلب إدارة متزنة، تقوم على تطبيق القانون دون انتقائية، وتمنع الانزلاق إلى صراعات جديدة. فنجاح هذه العملية لا يقاس بعدد المباني المستعادة، بل بقدرتها على ترسيخ مبدأ سيادة الدولة، وتحويل هذه الخطوة إلى مسار دائم لا يمكن التراجع عنه.


في المحصلة، تقف عدن اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تستعيد مؤسساتها وأصولها، وتبدأ فعلياً رحلة بناء الدولة، أو تبقى عالقة في دوامة الفوضى التي جعلت من الدولة كياناً غائباً، ومن ممتلكاتها ساحة مفتوحة للصراع.


لقد حانت لحظة الاستعادة… ليس فقط لاسترجاع المباني، بل لاسترجاع الدولة نفسها.