آخر تحديث :الثلاثاء-24 مارس 2026-09:15ص
دولية وعالمية

حرب تتجاوز الميدان… كيف تعيد المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران رسم خريطة الرابحين والخاسرين في العالم؟

الثلاثاء - 24 مارس 2026 - 08:00 ص بتوقيت عدن
حرب تتجاوز الميدان… كيف تعيد المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران رسم خريطة الرابحين والخاسرين في العالم؟
عدن الغد - خاص

نادراً ما تُحسم الحروب بمنتصر واضح، وغالباً ما يتحمل المدنيون الكلفة الأكبر. ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز حدود المنطقة لتصيب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد باضطراب واسع، فيما تجد بعض الدول نفسها أمام خسائر كبيرة، وأخرى أمام فرص استراتيجية غير متوقعة.


فالحرب أدت إلى حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج، وأجبرت مئات الآلاف من سكان الشرق الأوسط على النزوح من منازلهم. وفي الوقت نفسه، تسبب ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الملاحة البحرية في الخليج، خاصة في مضيق هرمز، بزيادة الضغوط على الشركات والمستهلكين حول العالم.


لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم: من الأكثر خسارة ومن الأكثر استفادة من هذه الحرب؟



روسيا… خسارة سياسية ومكاسب اقتصادية محتملة


تُعد إيران شريكاً سياسياً وعسكرياً مهماً لروسيا، ولذلك فإن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يمثل ضربة دبلوماسية جديدة لموسكو، خاصة بعد خسارة حليفها في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، إضافة إلى الضغوط التي تعرض لها حلفاء آخرون مثل فنزويلا.


ورغم ذلك، يرى خبراء أن الحرب في الشرق الأوسط قد تمنح روسيا هامشاً من المكاسب في حربها المستمرة في أوكرانيا، إذ إن انشغال الولايات المتحدة في المنطقة قد يؤدي إلى تحويل جزء من مواردها العسكرية بعيداً عن كييف.


وتقول الباحثة نيكول غراجيفسكي من مركز الدراسات الدولية في معهد باريس للدراسات السياسية إن استنزاف الصواريخ الدفاعية مثل “باتريوت” قد يحد من الكميات المتاحة لأوكرانيا في الأسواق الدولية، وهو ما يصب في مصلحة موسكو.


أما على صعيد التعاون العسكري مع إيران، فتشير الخبيرة هانا نوت من مركز دراسات منع الانتشار النووي في الولايات المتحدة إلى أن اعتماد روسيا على الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد” كان في المراحل الأولى من الحرب الأوكرانية خلال عامي 2022 و2023، حيث حصلت موسكو على التكنولوجيا اللازمة لإنتاجها محلياً، ما يعني أن استمرار الحرب في أوكرانيا لم يعد يعتمد على الدعم الإيراني.


اقتصادياً، قد تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن إغلاق مضيق هرمز وتعطل صادرات الطاقة. فميزانية موسكو تعتمد على سعر يقارب 59 دولاراً للبرميل، بينما قفزت الأسعار خلال الأزمة إلى نحو 120 دولاراً.


كما قد تفتح الأزمة المجال أمام روسيا لزيادة صادراتها النفطية إلى أسواق كبرى مثل الصين والهند، خاصة في ظل حديث عن تخفيف بعض القيود المفروضة على النفط الروسي لتخفيف اضطرابات السوق العالمي


الصين.. ضغوط اقتصادية وفرص دبلوماسية


حتى الآن، لم تتعرض الصين لتأثير مباشر كبير نتيجة الحرب على إيران، إذ إن النفط الإيراني يمثل نحو 12% فقط من إجمالي وارداتها النفطية، كما أنها خزنت احتياطيات كافية تكفيها لعدة أشهر.


إضافة إلى ذلك، يمكن لبكين تعويض أي نقص محتمل عبر زيادة وارداتها من روسيا.


لكن التأثير الأبرز قد يظهر في قطاع الصناعات التصديرية، الذي يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وهو أحد أهم محركات اقتصادها الذي يعاني أساساً من ضعف الطلب المحلي وتراجع سوق العقارات.


كما أن التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب قد تؤثر في حركة التجارة الصينية، خصوصاً السفن المتجهة إلى الأسواق الغربية. فالهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي على السفن في المنطقة قد تدفع شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.


هذا التحويل يعني زيادة زمن الرحلات البحرية بما يتراوح بين 10 و14 يوماً، مع تكلفة إضافية قد تصل إلى مليوني دولار للسفينة المتوسطة، وفق تقديرات خبراء في أسواق الطاقة والنقل البحري.


ومع ذلك، قد ترى الصين في الأزمة فرصة لتعزيز دورها الدبلوماسي، عبر تقديم نفسها كقوة دولية تسعى للاستقرار وتوازن النفوذ الأمريكي في المنطقة، في وقت يواصل فيه الرئيس الصيني شي جينبينغ محاولة ترسيخ صورة بلاده كقوة مسؤولة يمكن التنبؤ بسياساتها.


كما تتيح هذه الأزمة لبكين فرصة مراقبة طريقة تعامل الولايات المتحدة مع بؤر التوتر العالمية، خاصة فيما يتعلق بقضية تايوان.




الاقتصادات الناشئة… الخاسر الأكبر


الدول النامية والاقتصادات الناشئة تبدو الأكثر تأثراً بالحرب، خاصة في آسيا، حيث تعتمد العديد من دول جنوب شرق آسيا بشكل كبير على النفط والغاز القادم من الشرق الأوسط.


في فيتنام، ارتفعت أسعار الديزل بنحو 60% منذ اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة إلى تشجيع العمل من المنازل لتقليل استهلاك الوقود.


أما في الفلبين، التي تستورد نحو 95% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، فقد تقرر تقليص أيام العمل في القطاع العام إلى أربعة أيام أسبوعياً، باستثناء الخدمات الطارئة.


وشهدت باكستان إجراءات مشابهة، إذ تم تقليص ساعات العمل وتشجيع التعليم والعمل عن بعد بهدف خفض استهلاك الطاقة.


وفي بنغلاديش، تسبب القلق من نقص الوقود في حالة شراء ب

دافع الذعر، ما أدى إلى ازدحام شديد في محطات الوقود. وللتعامل مع الأزمة، فرضت السلطات نظام تقنين يسمح للسيارات بالحصول على عشرة لترات يومياً فقط، فيما يُسمح للدراجات النارية بلترين.




تهديد للأمن الغذائي العالمي


ولا تتوقف تداعيات الحرب عند حدود الطاقة فقط، بل تمتد أيضاً إلى قطاع الزراعة العالمي.


فالأسمدة الزراعية تعتمد بشكل كبير على مواد بتروكيماوية مشتقة من النفط، ويُعد مضيق هرمز ممراً رئيسياً لنقل هذه المواد. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن نحو 30% من اليوريا العالمية – وهي مادة أساسية في صناعة الأسمدة – تمر عبر هذا المضيق.


أي تعطّل في هذا المسار قد يؤدي إلى نقص كبير في إمدادات الأسمدة، ما يهدد الإنتاج الزراعي العالمي.


وقد أعلنت شركة قطر للطاقة، إحدى أكبر شركات الغاز في العالم ومن كبار منتجي اليوريا، حالة “القوة القاهرة” بعد تعرض منشآتها لهجمات، وهو إجراء يسمح للشركات بتعليق الإنتاج أو التسليم مؤقتاً.


ويحذر خبراء من أن تأثير هذا النقص قد لا يظهر فوراً، لكنه قد ينعكس خلال ستة إلى تسعة أشهر في شكل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الإنتاج الزراعي.




في المحصلة، يبدو أن الحرب على إيران لا تقتصر على ساحة المعركة، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والطاقة والتجارة الدولية. وبينما تحاول بعض الدول استغلال الفوضى لتحقيق مكاسب استراتيجية، يبقى العبء الأكبر على الشعوب والاقتصادات الهشة التي تدفع ثمن الصراعات الكبرى.