صدرت اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026 عن مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية دراسة اقتصادية مهمة بعنوان: «المسارات الهيكلية للنهوض الاقتصادي في ظل حكومة الزنداني: رؤية تكاملية لتعزيز السيادة المالية، والإصلاح المؤسسي، ورهانات الاستقرار الماكرو-اقتصادي»، من إعداد الباحث والخبير الاقتصادي وحيد الفودعي، قدّم من خلالها تصورًا علميًا وعمليًا متكاملًا لمعالجة التحديات الاقتصادية الراهنة وبناء مسار إصلاحي مستدام.
وتُعدّ الدراسة رؤيةً تكامليةً داعمةً لبرنامج حكومة الزنداني، وتوفر خارطة طريق عملية لترسيخ السيادة المالية، وتفعيل الإصلاح المؤسسي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، بما يسهم في تخفيف معاناة المواطنين وتهيئة الأرضية لتعافٍ طويل الأمد.
وتأتي هذه الدراسة في مرحلة دقيقة يمر بها الاقتصاد اليمني، في ظل تحديات مركبة تتمثل في الانقسام المالي والنقدي، وتوقف صادرات النفط والغاز، وتراجع الموارد العامة، وانهيار سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، ما انعكس بشكل مباشر على معيشة المواطنين واستقرار الأسواق.
وأكدت الدراسة أن الأزمة الاقتصادية في اليمن ليست أزمة موارد فقط، بل هي في جوهرها أزمة سيادة مالية ومؤسسية، نتجت عن تشظي الإيرادات، وازدواجية المؤسسات النقدية، وتعدد مراكز القرار، وغياب الخزينة الموحدة، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحويلها إلى خدمات واستقرار معيشي.
وسلطت الدراسة الضوء على ما وصفته بـ«معضلة التزامن» التي تواجه حكومة الدكتور شائع الزنداني، والمتمثلة في ضرورة تنفيذ إصلاحات جذرية في المؤسسات المالية والنقدية، بالتوازي مع تحقيق تحسن سريع في الأوضاع المعيشية، في بيئة سياسية وأمنية معقدة واقتصاد شديد الهشاشة.
ورغم قتامة المشهد، رصدت الدراسة مجموعة من الفرص التي يمكن البناء عليها، من أبرزها الدعم الإقليمي والدولي المتجدد، ووجود موارد سيادية غير مستغلة في قطاعات النفط والغاز والمعادن والثروة السمكية، إضافة إلى التحويلات الكبيرة للمغتربين، والإرادة السياسية المعلنة لدعم مسار الإصلاح، والبناء على برامج إصلاح سابقة حققت نتائج نسبية خلال السنوات الماضية.
وفي إطار رؤيتها الإصلاحية، شددت الدراسة على أن أي تعافٍ اقتصادي مستدام لا يمكن أن يتحقق دون إعادة هيكلة «البيت الداخلي» للدولة، من خلال توحيد القرار المالي والنقدي، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، وفرض مركزية تحصيل الإيرادات، وإلغاء الحسابات الموازية، وتفعيل الرقابة والحوكمة، ومكافحة الفساد، ورقمنة الإدارة المالية.
كما أكدت أهمية استعادة القرار المالي عبر تنمية الموارد السيادية، وفي مقدمتها استئناف تصدير النفط والغاز وتأمين المنشآت الحيوية، وإعادة تشغيل منشأة بلحاف للغاز، وتنويع القاعدة الاقتصادية لتقليل الاعتماد الأحادي على الطاقة، بالتوازي مع إعادة صياغة العلاقة مع المانحين من نموذج الإغاثة إلى نموذج الشراكة التنموية.
وفي جانب الاستقرار الاقتصادي الكلي، ركزت الدراسة على ضرورة كبح التضخم وحماية العملة الوطنية من خلال منع التمويل التضخمي، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، وإدارة سوق الصرف بآليات شفافة، ودعم الفئات الأكثر تضررًا، إلى جانب تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والمغترب عبر تحسين الأمن وسيادة القانون وتبسيط الإجراءات.
وتميزت الدراسة بتقديم «مصفوفة حلول» متكاملة، جمعت بين إجراءات عاجلة وأخرى طويلة الأمد لمعالجة الأزمة بشكل متوازٍ.
فعلى المدى القصير، أوصت باتخاذ خطوات فورية تشمل: استئناف تصدير النفط والغاز، توحيد الإيرادات، تثبيت سعر الصرف، صرف الرواتب بانتظام، تأمين الكهرباء والخدمات الأساسية، إطلاق حملة صارمة لمكافحة الفساد، وتعزيز التنسيق مع المانحين لضخ دعم طارئ يمنع الانهيار.
أما على المدى المتوسط والطويل، فقد دعت إلى إصلاح قطاع الطاقة والتحول إلى الغاز والطاقة المتجددة، وإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل الوطني، وتوسيع برامج إعادة الإعمار، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وربط المسار الاقتصادي بالمسار السياسي لتحقيق سلام مستدام.
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح الحكومة في تحقيق الاستقرار النقدي، وانتظام الرواتب، وتحسن الخدمات، واستعادة الثقة في المؤسسات، سيمثل المؤشر الحقيقي على بدء التعافي، محذرة من أن السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة بين استعادة الدولة لوظيفتها الاقتصادية أو ترسيخ نموذج هش قائم على الاعتماد الدائم على الدعم الخارجي.
وأوصت الدراسة بجملة من الإجراءات المحورية، في مقدمتها إعطاء أولوية فورية لتوحيد إدارة الإيرادات العامة وإخضاع جميع الموارد لسلطة الخزينة الموحدة، وتحصين استقلالية البنك المركزي ومنع التمويل التضخمي للعجز، واعتماد إطار نقدي شفاف وواضح، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار، وتنظيم تحويلات المغتربين، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، وربط المسار الاقتصادي بأي تسوية سياسية مستقبلية لضمان استدامة الاستقرار.