أعاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مطالبة بلاده بالانضمام إلى منظومة جيرانه في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو طلب كثيراً ما أثير في أعوام مضت ودارت حوله كثير من النقاشات التي لم تفض إلى خطوة نحو تحقيق "حلم اليمن" التاريخي.
وجاء حديث العليمي للمرة الثانية خلال أسبوع، ضمن جلسة حوارية في "مؤتمر ميونيخ للأمن" التي ناقشت خارطة طريق واقعية لتعزيز الشراكة اليمنية – الخليجية.
وقبل أيام، كشف العليمي مع أعضاء حكومته الجديدة، عن تطلع قديم ومتجدد لهذا المسعى، الذي تنظر إليه الشرعية كفرصة لإخراج البلد المنهك بالصراعات والأزمات الاقتصادية إلى فضاء الأمن والاستقرار والنماء في منظومة "أشقائه وجيرانه".
عبر البوابة السعودية... بدلاً من التهديد
العليمي الذي يرأس أعلى هيئة تنفيذية في بلاده أعرب عن "تطلع اليمن إلى تطوير علاقاته الخليجية إلى "شراكة استراتيجية شاملة وتكامل مؤسسي واندماج جيو- اقتصادي كلي" بما في ذلك إطلاق (خطة مارشال خليجية) لبدء إعمار البلاد، بالاستفادة من التجربة الفريدة للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بما يتسق مع رؤى التنمية الطموحة في دول مجلس التعاون وفي مقدمها رؤية السعودية 2030.
وبدا واضحاً أن العليمي استند إلى مواقف الدعم والإسناد السعودي الفارق عقب أسابيع من سلسلة التغيرات السياسية والعسكرية في اليمن وتعزيز سلطاته الشرعية وإزاحة النفوذ الإماراتي وذراعها العسكرية ممثلة بقوات "المجلس الانتقالي" المحلول في جنوب البلاد، ووقف مشاريع التمزيق والاحتراب المشبوهة المهددة لأمن اليمن والسعودية.
وقال في الجلسة التي حضرها قادة خليجيون ودوليون إن "الطريق الآمن للاندماج اليمني مع عمقه الخليجي يجب أن يمر عبر الرياض كشريك حتمي لصناعة التعافي ومركز ثقل إقليمي يحد من التهديدات الجيوسياسية التي تأذت منها بلادنا، أكثر من أي بلد آخر".
فرصة تاريخية
وأضاف "نحن نراهن على أن تكون العلاقات اليمنية السعودية اليوم نقطة انطلاق لإعادة بناء النموذج، ومن ثم تعميمها مع بقية دول الخليج".
والإثنين الماضي قال في أول اجتماع له مع حكومة شائع الزنداني الجديدة إننا "نبحث عن الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي وتطوير شراكتنا مع المملكة منذ عام 2000 واليوم هذه فرصة تاريخية لا تفرطوا فيها لتعميق الشراكة".
وللوصول لهذا المسعى دعا حكومته إلى "تطوير الأداء المؤسسي بما يؤهل اليمن للاندماج الكامل مع محيطه الخليجي"، محذراً من "إهدار هذه الفرصة".
إقرار بالتعقيدات
ووفقاً لذلك، قال إن عملية "الاندماج الفعلي" تتطلب استحقاقات داخلية يمنية تبدأ "بالتصالح الوطني وتجريم النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت في الدستور والقانون".
وربط أمن الملاحة ومنظومة الأمن الخليجي بأنها "ستظل مهددة ما لم تكن الدولة اليمنية مستقرة ومؤسساتها قوية".
مطالباً بمقاربة دولية وخليجية تقوم على "الوساطة الضاغطة" المقترنة بالتنمية والضغوط لتفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الإيرانية لضمان تحويل اليمن إلى إضافة بناءة لأمن واستقرار المنطقة بدلاً من كونه مصدر تهديد.
ويستند اليمن إلى سلسلة من العوامل التي تتيح له أهمية انضمامه، وليس أبرزها الجانب الأمني والاستراتيجي، فهناك روابط القربى والجوار والاندماج الاجتماعي والثقافي والتاريخي كعوامل دائماً ما يضعها قادة البلاد والخليج في طليعة المعطيات الموضوعية التي تؤهل لاستيعابه وانضمامه للمنظومة الخليجية.
بين الممكن والمستحيل
بينما يرى معترضون أن إعادة تسويق هذا المشروع وكأنه بات مساراً واقعياً للتنفيذ، لا تعدو كونها خطاباً إنشائياً منفصلًا عن معطيات الواقع الداخلي في بلد تمزقه الحروب والأزمات الإنسانية التي دفعت بثلثي السكان إلى العيش تحت خط الفقر.
المآخذ ذاتها يستند إليها مستبعدو تحقق المشروع نتيجة جملة من التباينات الجوهرية، فاليمن يواجه تحديات سياسية واقتصادية عدة، لعل أهمها اختلاف نظامه السياسي عن أنظمة دول الخليج الملكية، إضافة إلى البعد الاقتصادي مع الفجوة الكبيرة التي تفصل اليمن عن جيرانه في الخليج مما يعزز صعوبة المواكبة في سياق خطط التأهيل المسبق للانضمام للمجلس، ولكنها مع ذلك "عوامل تجاوزتها معطيات اللحظة والواقع"، وفقاً للباحث السياسي اليمني، فارس البيل، الذي يرى أن "الأهمية الاستراتيجية اليوم تحتم ترجيح أهمية استيعاب اليمن لا تركه يواجه مصيره منفرداً وكأنه في مكان قصي أو في منطقة ليست معنية بما يعتمل فيه".
وفقاً لمعطيات الواقع والمصلحة المشتركة يعتقد البيل خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن "الضرورة تحتم الآن النظر إلى أهمية إدخال اليمن في هذه المنظومة على مراحل في الأقل".
وقال إن السعودية الآن "تتحمل العبء الكبير لحماية وتأطير اليمن بصورة كاملة، وهذه الكلفة الكبيرة تقدر بضرورة أن يكون هناك استقرار في المنطقة، واستقرار المنطقة الخليجية من استقرار اليمن وعدم استقرار اليمن سيؤدي الى عدم استقرار سياسي وحتى اقتصادي في المنطقة".
الاحتواء بما فيه
واعتبر أن هذا الإدراك "يستوجب أن تكون هناك رغبة حقيقية في احتواء اليمن بمشكلاته وتأهيله، وفي السابق كان المنظور هو تأهيل اليمن حتى يرتقي الى مصاف المنظومة الخليجية والآن احتواء اليمن أولاً ثمّ التأهيل، لأن المسالة لم تعد منحصرة في جانبها الاقتصادي فقط ولكنها استراتيجية وأمنية بدرجة كبيرة".
وعلى مدى عقود سعى اليمن للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وتمكن من تحقيق انضمام جزئي في بعض القطاعات أبرزها الصحة والرياضة، وبقي هذا الطموح قائماً على رغم التعقيدات الداخلية ومتطلبات الانضمام.
إلا أن هذه الرغبة تعززت بفعل التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في جنوب البلاد ضمن تحد حقيقي مشترك، كان للموقف السعودي دور بارز ومفصلي في تجاوزه بعد مساع إلى فرض واقع جديد أحاطته كثير من الشبهات، منها استغلال حال ضعف الدولة المركزية وتهديد مركزها القانوني والسيادي.
ويوجد في دول الخليج أكثر من 3 ملايين مغترب يمني، أكثرهم يعملون في السعودية بواقع من 1.8 إلى 3 مليون، وتشكل هذه الجاليات ركيزة اقتصادية مهمة لليمن عبر التحويلات المالية المنتظمة للداخل.