كشف السفير البريطاني السابق لدى اليمن، إدموند فيتون براون، عن تفاصيل لافتة حول طبيعة مليشيا الحوثيين، استنادًا إلى خبرته المباشرة في المنطقة، مؤكدًا أن المليشيا تعمل بعقلية لا تعير أي اعتبار للخسائر البشرية، وأن أي محاولات لاسترضائها محكومة بالفشل. وشدد على أن مفتاح الحل الحقيقي لأزمة اليمن يكمن في مواجهة النظام الإيراني وقطع دعمه لوكلائه.
جاء ذلك خلال حوار في بودكاست تابع لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، حيث استعرض فيتون براون، الذي يشغل حاليًا منصب زميل أقدم في المؤسسة، سنوات من العمل الدبلوماسي والأمني في شبه الجزيرة العربية، مقدمًا شهادة موسعة حول أيديولوجية الحوثيين وتكتيكاتهم وارتباطاتهم بإيران ووكلائها في المنطقة.
ولفت فيتون براون إلى ما وصفه بـ«العقلية الإجرامية» التي تحكم تفكير قادة المليشيا، مستذكرًا لقاءاته الأولى مع وفد حوثي في مسقط، والتي استمرت لساعات طويلة باللغة العربية. وقال إنه طرح عليهم سؤالًا مباشرًا: «لماذا تعتقدون أنكم ستفوزون وأنتم تواجهون تحالفًا دوليًا وعربيًا؟»، ليأتي الرد – بحسب روايته – صادمًا ومباشرًا: «الأمر لا يتعلق بميزان القوى، بل بمن يهتم. أنتم تهتمون بكل يمني يموت، أما نحن فلا نهتم بعدد اليمنيين الذين يموتون. وفي النهاية ستطول هذه الحرب، وسيموت عدد كافٍ من اليمنيين، وستأتون إلينا تطلبون السلام».
وأوضح السفير البريطاني أن حركة الحوثيين، التي نشأت في تسعينيات القرن الماضي كحركة «إحيائية زيدية»، لم تكن مجرد ظاهرة محلية، بل استلهمت شعارها الشهير «الصرخة» من الثورة الإيرانية عام 1979، واصفًا إياه بأنه «النسخة اليمنية المعدّلة» من تلك الشعارات. وكشف عن الدور المبكر لحزب الله اللبناني في توجيه المليشيا، مشيرًا إلى أن شخصيات بارزة مثل محمد حسين فضل الله وحسن نصر الله قضوا وقتًا في اليمن لتقديم الإرشاد والتوجيه، وهو ما ينعكس – بحسب قوله – في الاسم الآخر للحركة «أنصار الله»، الذي يحاكي تسمية «حزب الله».
وأشار فيتون براون إلى واحدة من أبشع ممارسات الحوثيين، والمتمثلة في استغلال نظام التعليم لأغراض التلقين العقائدي، حيث يُدرَّب الأطفال منذ سن الخامسة على ترديد «الصرخة»، ويتم تجنيدهم كجنود أطفال، بما يضمن استمرارية الفكر المتطرف وتغذية جبهات القتال.
وسلط الحديث الضوء على استغلال الحوثيين للمساعدات الإنسانية، إذ راكموا ثروات كبيرة من خلال السيطرة على تدفق الأموال والإمدادات، مستفيدين – بحسب وصفه – من «تهاون المجتمع الدولي» الذي يركز على إيصال المساعدات إلى مناطق سيطرتهم دون رقابة فعالة على مصيرها النهائي. وأورد مثالًا على ذلك ابتزازهم للجانب الكويتي خلال محادثات السلام عام 2016، عندما طالبوا بإمدادات غير محدودة من «القات» تحت تهديد الانسحاب من المفاوضات، في سلوك يعكس استخفافهم بالأعراف الدبلوماسية.
وفيما يتعلق بالسياسة المثلى التي ينبغي على أي إدارة أمريكية مستقبلية اتباعها، أكد فيتون براون أن الحوثيين «غير قابلين للاسترضاء»، محذرًا من أن أي تنازل سيُفسَّر على أنه ضعف ويقود إلى مطالب إضافية. وشدد على أن «أكبر عامل في احتواء الحوثيين هو هزيمة إيران»، داعيًا إلى مواءمة سياسة اليمن مع سياسة إيران، وتحميل طهران المسؤولية المباشرة عن أفعال وكلائها.
واقترح السفير السابق جملة من الإجراءات، من بينها استهداف القيادة العليا للحوثيين لخلق فراغ قيادي يصعب تعويضه، إلى جانب فرض عقوبات صارمة، ونقل مقر عمليات الأمم المتحدة بالكامل إلى جنوب اليمن، وقطع الشريان المالي للمليشيا في ميناء الحديدة، وإجبارها على تلقي المساعدات عبر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
واختتم فيتون براون تحليله بالتأكيد على أن الحل المستدام لأزمة اليمن لن يتحقق إلا من خلال إضعاف الحوثيين بشكل حاسم، وقطع إمداداتهم القادمة من إيران، بما يمهد الطريق لنقاش جاد حول صيغة «كونفدرالية لامركزية» تتيح حكم البلاد دون الانزلاق إلى التفكك.