آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-11:20ص
أدب وثقافة

رسالة من أم يمنية لطفلة لم تشهد الحرب

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 09:34 ص بتوقيت عدن
رسالة من أم يمنية لطفلة لم تشهد الحرب
عدن الغد - متابعات:

رسالة في الذكرى الخامسة للثورة اليمنية، تُرسلها أمّ إلى ابنتها التي وُلدت خارج اليمن ولا تعرف بلدها، تشكّل مفتتحاً لقراءة نصوص كتاب "مذكرات طفلة لم تشهد الحرب" (عناوين بوكس، 2026)، للصحافية والشاعرة اليمنية رغدة جمال، ورسوم ميار الكمالي، ويضمّ الكتاب مجموعة من النصوص التي تصنع صورة الطفلة عن بلدها.

وتأتي الرسالة مفتتحاً للقراءة، لما تعنيه من انتماء الكاتبة إلى جيل الثورة اليمنية الذي خرج مع بداية عام 2011 في تظاهرات من أجل أن يسود اليمن "الخير والعدل والمستقبل الآمن". وكانت الكاتبة جمال فرداً من جموعٍ هتفت بإرادة الشعب إسقاط النظام في ساحة جامعة صنعاء. ومن تلك المفارقة التي تصنع، أو تقود، إلى نقيضها، يُقرأ النص، مع رغبة جمال -وهي هنا جيل الثورة- في أن تصنع لجيلٍ قادم، أو أن تساهم، في أن يكون يمن المستقبل مختلفاً عن اليمن الذي عرفوه، حيث الفقر والمحسوبية والمناطقية والعنصرية.

تقصّ الأم في رسالتها إلى الابنة مشاهد من زمنها، أو من لحظة في زمنها، وهي لحظة التغيير أو التفكير والأمل بالتغيير، لحظةٌ موءودة، سرعان ما تصبح تعبيراً عن فشلٍ وتخلٍّ، ما إن نعرف أن الأم تخاطب ابنتها بعد أن أنجبتها خارج اليمن. ويحلّ شعور الخوف على الطفلة، مكان الحلم باليمن الجديد، إلى درجة تفضّل الأم ألّا تعود بطفلتها إلى هناك.

تأسيسٌ جديد للنصوص يبدأ مع المذكرات التي تكتبها الأم أيضاً بلسان طفلتها التي تبلغ التاسعة من عمرها، وهو تأسيسٌ على تلك الثنائية: هنا حيث تعيش العائلة ويعمل الأب، وهناك حيث بقي اليمن، حيث تعيش الجدة ويعيش الجد. وتمثل المذكرات الصورة التي ترسمها البراءة والخشية في آنٍ واحد، وهي براءة في كونها تتلقّى قسوة الحرب وعنفها، في مشاعر تجهلها الطفلة، خاصة أنها عاشت لأبوين حَرصا على ألّا يشاهدا الأخبار أمامها. وقبل ذلك، امتنعت والدتها عن سماع الأخبار في فترة الحمل. والمذكرات، عدا عن كونها تنطوي على تلك البراءة الغافلة في تلقي عنف فقدان البلد الأول، وبقائه جزءاً حميماً تعرفه الطفلة عبر حديث أبويها، فإنها تتعرّف، في زيارة يتيمة إلى اليمن، إلى جميع المفردات التي تشكّل هوية بلد تحت الحرب، مثل: المجهود الحربي، وانقطاع الكهرباء، وغياب النظافة، والخوف الذي يمنع الأطفال من فتح الأبواب.

ووراء تلك الصورة القاتمة والغامضة في آنٍ واحد، التي ترتسم في وعي الطفلة وإدراكها، وعبر ما تقوله المذكرات، يظهر يمنٌ آخر يعود إلى زمن مختلف، حيث صنعاء الجميلة بشوارعها ودفء بيوتها، وبجبال اليمن واستعارته الشهيرة "اليمن السعيد"، الاستعارة التي شرختها الحرب مع أخبار القصف والاقتتال.