آخر تحديث :السبت-17 يناير 2026-01:49م
أخبار وتقارير
عدد تحليلي مميز

علي محسن الضالعي يكتب : التدخل السعودي: من إدارة الأزمة إلى صناعة التحول السياسي في جنوب اليمن

السبت - 17 يناير 2026 - 12:16 م بتوقيت عدن
علي محسن الضالعي يكتب : التدخل السعودي: من إدارة الأزمة إلى صناعة التحول السياسي في جنوب اليمن
الصحيفة الورقية

يكتبها علي محسن الضالعي



لم يكن التدخل السعودي في لحظة سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي خطوة تكتيكية عابرة أو رد فعل ظرفي على تصعيد ميداني، بل جاء تتويجًا لتحول عميق في مقاربة المملكة للملف اليمني عمومًا، وللجنوب على وجه الخصوص. فبعد سنوات من إدارة التوازنات الدقيقة بين أطراف متعددة، وجدت الرياض نفسها أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: استمرار الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة بات يُهدد جوهر الهدف الذي تدخلت من أجله منذ البداية، وهو دعم الشرعية، واستعادة الدولة، ومنع اليمن من الانزلاق الدائم نحو الفوضى.


خلال السنوات الماضية، حاولت المملكة التعامل مع الواقع المعقد في الجنوب بسياسة الاحتواء، انطلاقًا من إدراكها لحساسية القضية الجنوبية، وتشابك العوامل المحلية والإقليمية والدولية المؤثرة فيها. إلا أن هذه السياسة، رغم مرونتها، اصطدمت بواقع عملي مفاده أن بعض الأطراف حولت الدعم والتحالف إلى غطاء لتكريس سلطة أمر واقع، لا لبناء مؤسسات دولة. ومع تفاقم الأزمات في عدن، وتزايد الغضب الشعبي، وتآكل الخدمات، بات من الواضح أن استمرار هذا المسار لم يعد ممكنًا.


التحول السعودي لم يكن إعلان قطيعة مع الجنوب، بل على العكس، كان إعادة تعريف للعلاقة معه. فالمملكة فرّقت بوضوح بين القضية الجنوبية كقضية سياسية عادلة، وبين الكيانات التي ادعت احتكار تمثيلها واستخدمتها كأداة للهيمنة. وهذا التفريق شكّل الأساس السياسي والأخلاقي للتدخل الأخير، الذي جاء ليؤكد أن دعم الرياض لا يكون إلا للدولة، وأن أي مشروع خارج هذا الإطار مصيره الانتهاء مهما طال الزمن.


في لحظة الحسم، تحركت المملكة بهدوء وثبات. لم تلجأ إلى خطاب تصعيدي، ولم تُغرق المشهد بتصريحات متناقضة، بل اعتمدت أدواتها التقليدية: التنسيق السياسي، الضغط الدبلوماسي، وترتيب المشهد الميداني عبر التحالف العربي. وبهذا الأسلوب، جرى قلب المعادلة لصالح الحكومة الشرعية دون انزلاق إلى حرب داخلية أو فوضى شاملة، وهو ما يُحسب للرياض بوصفه نجاحًا سياسيًا وأمنيًا في آن واحد.


سياسيًا، أعادت المملكة الاعتبار لمفهوم الشرعية بوصفه المرجعية الوحيدة المقبولة لإدارة المرحلة. فعودة الحكومة إلى عدن، واستعادة القرار السيادي، لم تكن ممكنة دون غطاء ودعم سعودي واضح، سواء عبر المواقف المعلنة أو التحركات غير المرئية التي مهّدت الأرض لهذا التحول. وفي هذا السياق، لم تُقدّم الرياض نفسها كبديل عن الدولة، بل كضامن لعودتها، وهو فارق جوهري في فهم الدور الإقليمي.


أمنيًا، لعبت السعودية دورًا محوريًا في إعادة ضبط المشهد العسكري. فالدفع باتجاه إخراج المعسكرات والأسلحة الثقيلة من المدن، وتوحيد التشكيلات العسكرية تحت وزارتي الدفاع والداخلية، يعكس إدراكًا سعوديًا عميقًا بأن الأمن لا يُبنى عبر المليشيات، بل عبر مؤسسات رسمية خاضعة للقانون. هذا التوجه، وإن بدا صعبًا في تنفيذه، إلا أنه يمثل حجر الزاوية لأي استقرار مستدام في الجنوب.


اقتصاديًا، كان للدعم السعودي أثر مباشر وسريع. فالوديعة المالية المرتقبة للبنك المركزي، والدعم المخصص لقطاع الكهرباء، والمشاريع التنموية التي تنفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، لم تكن مجرد إجراءات إسعافية، بل رسالة سياسية مفادها أن استعادة الدولة ستُترجم فورًا إلى تحسن ملموس في حياة الناس. وهذا البعد الإنساني هو ما منح التدخل السعودي قبولًا شعبيًا واسعًا، بعد سنوات من المعاناة.


الأهم في هذا التحول هو أنه أعاد رسم العلاقة بين التحالف والحكومة الشرعية على أساس جديد: الدعم مقابل الأداء. فلم يعد مقبولًا أن تتلقى الحكومة دعمًا سياسيًا واقتصاديًا دون أن تُظهر جدية في الإصلاح، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات. وهذا التوازن الجديد يضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية: إما أن تنجح في استثمار الفرصة، أو تفقد ثقة الداخل والخارج معًا.


في العمق، يمكن القول إن المملكة انتقلت من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “صناعة التحول”. لم تعد تكتفي بمنع الانهيار، بل تسعى لإعادة بناء المسار السياسي من جذوره، عبر دعم الحوار، وتشجيع الحلول الشاملة، ورفض منطق السلاح كأداة سياسية. ومن هنا جاءت الدعوة إلى مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، بوصفه مسارًا سياسيًا بديلًا عن الصراع، وجسرًا بين القضية الجنوبية والدولة اليمنية.


هذا الدور السعودي لا يخلو من تحديات. فإعادة بناء الدولة في بيئة منهكة بالصراعات والانقسامات ليست مهمة سهلة، كما أن مقاومة التغيير من قبل القوى المتضررة ستكون حتمية. إلا أن ما يميز اللحظة الراهنة هو وضوح الرؤية: لا دولة دون مؤسسات، ولا استقرار دون قانون، ولا دعم دون التزام.


إن التدخل السعودي، في هذه المرحلة، لا يمكن اختزاله في كونه دعمًا لطرف ضد آخر، بل هو تدخل لصالح فكرة الدولة ذاتها. وهذه الفكرة، رغم هشاشتها في الواقع اليمني، تبقى الخيار الوحيد الممكن لإنقاذ الجنوب واليمن من دوامة الفوضى. فإما دولة تحمي الجميع، أو صراعات لا تنتهي، يدفع ثمنها المواطن وحده.