كتبها محمد حسين دبا
لأعوام طويلة، ظل أداء الحكومة الشرعية محاطًا بسلسلة من الذرائع التي جرى تقديمها بوصفها أسبابًا موضوعية لتعطّل الدولة، وتراجع الخدمات، وغياب القرار. كان يُقال إن عدن غير آمنة، وإن السلطة الفعلية ليست بيد الحكومة، وإن هناك قوى تفرض الأمر الواقع وتُعطّل المؤسسات، وإن القرار المالي مُصادَر، وإن الوزارات تعمل في بيئة معادية. هذه الذرائع، سواء كانت صحيحة جزئيًا أو كاملة في مراحل سابقة، شكّلت مظلة مريحة للهروب من المحاسبة، وأبقت الحكومة في منطقة رمادية بين الحضور الشكلي والغياب الفعلي.
اليوم، تغيّر المشهد جذريًا. سقطت السلطة الموازية، وانتهى زمن الشراكة القسرية، واستعاد القرار السيادي مساره الطبيعي. لم يعد هناك مجلس انتقالي يُعطّل عمل الحكومة، ولا تشكيلات خارجة عن القانون تفرض إرادتها على المؤسسات، ولا قنوات مالية موازية تُجفف موارد الدولة. وبسقوط هذه العوائق، سقطت معها الذرائع، وباتت الحكومة الشرعية مكشوفة أمام اختبار لا يحتمل الالتفاف أو التسويف.
المرحلة الجديدة تضع الحكومة أمام مسؤولية واضحة ومحددة: إدارة الدولة. لا إدارة الأزمة، ولا إدارة التوازنات، بل إدارة دولة كاملة الصلاحيات. وهذا التحول يفرض انتقالًا جذريًا في العقلية، من عقلية الدفاع إلى عقلية المبادرة، ومن خطاب الشكوى إلى خطاب الفعل. فالدولة التي لا تتحرك حين تتوفر لها الأدوات، تفقد مبرر وجودها.
أخطر ما ورثته الحكومة من المرحلة السابقة هو الفوضى المالية. سنوات من الانفلات في الإيرادات، وغياب الرقابة، وتعدد مراكز الصرف، خلقت بيئة مثالية لنهب المال العام. اليوم، وبعد عودة الإيرادات إلى البنك المركزي، لم يعد مقبولًا استمرار هذا العبث. فكل ريال يُهدر، وكل عقد مشبوه، وكل صفقة غامضة، سيُحسب مباشرة على الحكومة، لا على “الظروف”.
ملف الفساد لم يعد ملفًا مؤجلًا أو ثانويًا، بل بات عنوان المرحلة. فالدعم الإقليمي، وعلى رأسه الدعم السعودي، مشروط بوضوح بالإصلاح والشفافية. والمجتمع الدولي يراقب. والأهم أن الشارع نفسه بات أكثر وعيًا، وأقل استعدادًا لغض الطرف. لم يعد المواطن يقبل أن يُطلب منه الصبر بينما تُنهب الدولة من الداخل.
وقف الفساد لا يعني إطلاق شعارات جديدة، بل اتخاذ قرارات مؤلمة. قرارات تبدأ من ضبط المناقصات، ومراجعة عقود الكهرباء والمشتقات، وإغلاق منافذ الجباية غير القانونية، ومحاسبة كبار الفاسدين قبل صغارهم. فالدولة التي تبدأ بمحاسبة الحلقة الأضعف فقط، ترسل رسالة خاطئة مفادها أن الفساد مقبول طالما كان كبيرًا.
إلى جانب الفساد، تواجه الحكومة تحدي إعادة الانضباط المؤسسي. فسنوات التعطيل خلقت ثقافة إدارية مشوّهة، اعتادت على الغياب، والازدواج الوظيفي، وتداخل الصلاحيات. واليوم، لم يعد هناك مبرر لاستمرار هذه الفوضى. الوزير الذي لا يعمل من الداخل، والمسؤول الذي يدير مكتبه من الخارج، والموظف الذي يتقاضى راتبًا دون أداء، جميعهم باتوا جزءًا من المشكلة، لا ضحايا لها.
المرحلة الراهنة تفرض كذلك إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والمجتمع. فالدولة لا تُدار فقط عبر القرارات، بل عبر الثقة. وهذه الثقة لا تُبنى بالكلام، بل بالفعل اليومي: خدمة تُقدّم، قانون يُطبّق، وعد يُنفّذ. وكل تأخير في هذا المسار يعمّق فجوة الثقة، ويعيد إنتاج الغضب الشعبي بشكل أخطر من السابق.
من المهم الإقرار بأن الحكومة لا تبدأ من فراغ. الإرث ثقيل، والتحديات هائلة، والموارد محدودة. لكن ما تغيّر هو أن الفرصة باتت واضحة. لم تعد هناك قوى تُمسك بالمشهد من خلف الستار، ولم يعد القرار موزعًا بين سلطات متنازعة. وهذا الوضوح، بقدر ما هو فرصة، هو عبء أيضًا، لأنه يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لا يمكن التهرب منها.
الشارع الجنوبي اليوم لا يطلب المستحيل. لا يطالب بازدهار فوري، ولا بنهضة سريعة. لكنه يطالب باتجاه صحيح. يطالب بأن يرى دولة تحاول بصدق، لا سلطة تتذرع بالعوائق. يطالب بأن يشعر أن المال العام يُدار لمصلحته، لا لجيوب قلة متنفذة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومة في هذه المرحلة هو إضاعة اللحظة. فالتاريخ لا يمنح فرصًا متكررة، والدعم لا يدوم إلى الأبد، والصبر الشعبي له حدود. وإذا لم تُحسن الحكومة التقاط هذه اللحظة، فإن خيبة الأمل القادمة ستكون أعمق، وأقسى، وقد لا تجد الدولة بعدها من يدافع عنها.
في الخلاصة، يمكن القول إن الحكومة الشرعية تقف اليوم أمام مرآة واضحة. لا أعذار، لا شماعات، لا خصوم يُحمّلون المسؤولية. إما أن تتحول إلى حكومة دولة بالفعل، أو تُسجّل كفرصة ضائعة أخرى في سجل طويل من الإخفاقات.
اليوم انتهت الذرائع… وبقيت المسؤولية.