يا مَن بلغكم أنينُ تعزّ، وسمعتم صرخاتِ أهلها، وشهدتم فصولَ مأساتها، أما آنَ لضمائركم أن تصحو، ولهممكم أن تنهض، ولصمتكم أن ينكسر؟!
إلى متى يظلُّ الحصارُ جاثمًا على صدر تعز، وإلى متى تبقى معاناة أهلها حبيسة الصمت والتجاهل؟
فكّوا الحصار عن تعز، فقد بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الظالمون المدى، وباتت القلوب لدى الحناجر كظيمة، والنفوس من طول البلاء سقيمة.
تعزُّ الأبيّة، تعزُّ النديّة، يا قلعة الحرية، ومنبع المدنية، ويا مدينة العلم والثقافة، ويا حاضنة التاريخ والحضارة، أيُّ ذنبٍ اقترفتِ حتى تُعاقَبي بهذا الحصار، وأيُّ جريمة ارتكبتها حتى تُترك طرقاتك مغلقة، وأبواب الحياة في وجه أبنائك موصدة؟!
حاصروكِ جهارًا، وليلًا ونهارًا، وقطعوا الطرقات، ومنعوا الأقوات، وزرعوا المنايا في المسالك، وساقوا الأبرياء إلى المهالك، وحرموا الأطفال الدواء، وأذاقوا أهلكِ صنوف الشقاء، وضيّقوا على المريض سُبُل العلاج، وعلى الطالب دروب المعرفة، وعلى المسافر طرق النجاة.
كم من مريضٍ يموت في شعاب الجبال، يبحث عن طريقٍ يقطعه الرجال؟!
وكم من أمٍّ تنتظر عودة ابنها، وكم من طفلٍ أنهكه المرض، وكم من أسرةٍ أنهكها الغلاء، وأثقل كاهلها العوز والحرمان؟!
وكم من طالب علمٍ حاصرته الخنادق، وروّعت مضجعه البنادق، فصار الوصول إلى مدرسته وجامعته ضربًا من المخاطرة؟!
أيُّ ضميرٍ يقبل أن يُحرم مريضٌ حقَّه في العلاج بسبب طريقٍ مغلق؟!
وأيُّ عدالةٍ ترضى أن يصبح الغذاء والدواء والتنقل امتيازاتٍ لا حقوقًا؟!
وأيُّ إنسانيةٍ تسكت عن معاناة مدينةٍ بأكملها، وتترك أهلها يواجهون قسوة الحصار وحدهم؟!
إن تعزَّ الثقافة لا تستحق هذا الجفاء، وتعزَّ المنارة لا يليق بها صمت الأوفياء.
ليست تعزُّ مدينةً عابرةً في خارطة اليمن، بل هي ذاكرة وطن، ومنارة فكر، وحاضرة علم، وموطن كرامة وصمود.
ومأساة تعز ليست شأنًا محليًّا يُطوى بالنسيان، بل قضية إنسانية تستوجب موقفًا صريحًا، وضميرًا حيًّا، وتحركًا عاجلًا.
إلى متى هذا الخنوع، وتعز تفيض بالدموع؟!
أما آن للقيود أن تنكسر؟ أما آن للظلم أن يندحر؟!
أما آن للضمائر أن تستيقظ، وللأصوات أن ترتفع، وللجهود أن تتضافر من أجل إنهاء هذه المعاناة؟!
إن الحصار جريمة نكراء، ترفضها الفطرة السليمة، وتأباها القيم الإنسانية، وتدينها مبادئ العدل والرحمة.
فلا يجوز أن يُتخذ المدنيون وسيلةً للضغط، ولا أن يُحرم الأبرياء حقوقهم الأساسية، ولا أن تتحول الطرقات إلى مصائد للموت، ولا أن يصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة مغامرةً محفوفةً بالخطر.
ويا حكومة الفنادق،أين مسؤوليتكم مما يجري في تعز؟!
وإلى متى ستظل معاناة أهلها خارج حساباتكم؟!
افتحوا المعابر، واضغطوا بكل ما تملكون من صلاحيات وإمكانات لفتح الطرقات، ويسّروا وصول الغذاء والدواء، وانقذوا المرضى من الموت على الطرقات، والطلاب من الحرمان، والأسر من ضنك العيش. لا نريد منكم بياناتٍ تتكرر، ولا وعودًا تتبخر، بل نريد مواقف جادة، وقرارات مسؤولة، وتحركًا يضع حدًّا لهذه المأساة.
إنكم لم تتولّوا المسؤولية لتكتفوا بمشاهدة معاناة الناس، وإنما لتكونوا عونًا لهم، ومدافعين عن حقوقهم، وساعين في رفع الظلم عنهم.
فكّوا الحصار عن تعز، فليس من المقبول أن تبقى الحكومة صامتة، والمدينة تنزف، وأهلها يدفعون ثمن هذا الصمت كل يوم!
ونقول لكل صاحب قلم، وكل صاحب منبر، وكل صاحب قرار، وكل من بقي في قلبه متسع للرحمة والإنصاف:
إن نصرة تعز ليست شعارًا يُرفع، ولا كلماتٍ تُقال، بل موقفٌ يُترجم إلى عمل، وصوتٌ لا يخفت أمام معاناة المظلومين، وجهدٌ لا يتوقف حتى تنتهي هذه المأساة.
فإن تعز، وإن جار عليها الزمان، لن تلين، وإن طال بها البلاء، لن تستكين،وستظل شامخةً بتاريخها، عزيزةً بأهلها، عصيةً على الانكسار، غير أن صمود أهلها لا يُسقط حقهم في الحياة الكريمة، ولا يعفي العالم من واجبه تجاه معاناتهم.
فلا تجعلوا صبر تعز ذريعةً لإطالة أمد مأساتها، ولا تجعلوا ثبات أهلها مبررًا للتغاضي عن آلامهم؛ فالصبر فضيلة، لكنه ليس دعوةً إلى ترك المظلوم وحيدًا، والسكوت عن الظلم ليس حكمةً، بل خذلانٌ حين يكون الكلام واجبًا.
فكّوا الحصار عن تعز، عاجلًا غير آجل، وافتحوا طرقاتها، وأعيدوا إلى أهلها حقهم في الحياة والكرامة، فما عاد في الوقت متسعٌ لمزيدٍ من المماطلة، ولا في المأساة متسعٌ لمزيدٍ من التجاهل.
تعز لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب حقًّا إنسانيًّا أصيلًا:
أن تعيش بلا حصار، وأن تسلك طرقها بلا خوف، وأن يجد مريضها دواءه، وطفلها غذاءه، وطالبها طريقه إلى العلم.
فكّوا الحصار عن تعز... فكرامة الإنسان لا تُحاصَر، وحق الحياة لا يقبل التأجيل.