هناك مثل يقول: «لا تعطِني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد». وأعتقد أن هذا المثل ينطبق إلى حد كبير على ما فعله الاستاذ سالم أبوبكر ثابت العولقي مع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
خلال توليه وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، بذل الاستاذ سالم العولقي جهوداً كبيرة في متابعة حقوق الموظفين في القطاع الحكومي، والعمل على صرف مستحقات النازحين والعلاوات والحقوق السنوية، رغم ظروف الحرب وشح الإمكانيات وتعقيدات المرحلة. وهذه جهود لا يمكن تجاهلها، خصوصاً أن كثيراً من الموظفين ظلوا ينتظرون حقوقهم لسنوات.
لكن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لها طبيعة عمل واختصاصات ومسؤوليات مختلفة، وملفها لا يتوقف عند صرف مستحقات أو متابعة حقوق. هنا أجد أن ما فعله العولقي يستحق التوقف عنده؛ فهو لم يمنح المؤسسة سمكة جاهزة، بل اختار لها صيادين ماهرين.
عندما عيّن الأستاذ عبدالحكيم محمد صالح الحياني رئيساً للمؤسسة، والدكتور حاتم علي صالح باسردة نائباً للرئيس، كان يضع أمامها قيادة تجمع بين الخبرة الإدارية والتخصص الأكاديمي. الحياني يمتلك خبرة تقارب ثلاثين عاماً في العمل الإداري بالخدمة المدنية، وباسردة أكاديمي متخصص في الاقتصاد والإدارة.
اليوم نرى الرجلين في الميدان. لا يكلّان ولا يملّان، ولا ينتظران حتى يهدأ البحر ليبدآ العمل. نزلا إلى الميدان وسط التحديات، ويتابعان فرق التفتيش التأميني عن قرب، ويستمران في العمل حتى الساعة الثالثة عصراً. وكأنهما يقولان إن الصيد لا ينتظر هدوء البحر، وإن المسؤولية الحقيقية تظهر عندما تكون الظروف صعبة.
وتحركا أيضاً إلى مكتب المحافظ لمتابعة تفعيل البطاقة التأمينية، والعمل على جعلها شرطاً أساسياً عند تجديد تراخيص المنشآت، وكذلك عند المشاركة في المناقصات. وهذه ليست مجرد إجراءات إدارية، بل خطوة ترتبط مباشرة بأحد أهم أهداف المؤسسة، وهو توسيع مظلة التأمين الاجتماعي وإدخال المزيد من المنشآت والعاملين في نطاق الحماية التأمينية، والحد من التهرب التأميني.
وهنا تكمن أهمية هذا التحرك. فكل منشأة تلتزم بالتسجيل التأميني، وكل عامل يدخل تحت مظلة التأمين، يعني إضافة جديدة إلى قاعدة المؤمن عليهم، وحماية لحقوق العاملين وأسرهم، وتعزيزاً لموارد المؤسسة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التأمينية.
ومن الخطوات التي لفتت انتباهي أيضاً توجه قيادة المؤسسة إلى تفعيل الاتصال المرئي مع فروعها ومكاتبها في المحافظات، بما يتيح التواصل المستمر بين المركز الرئيسي والفروع، واختصار المسافات، ومتابعة أوضاع الموظفين والاطلاع على احتياجاتهم والتحديات التي تواجه عملهم.
قد تبدو هذه الخطوة بسيطة، لكنها تحمل فكرة إدارية مهمة؛ فالمؤسسة لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا ظل المركز يعمل بمعزل عن فروعه. فتوسيع مظلة التأمين، وزيادة أعداد المؤمن عليهم، وتحسين الخدمات لأصحاب الأعمال والعاملين والمتقاعدين، تتطلب شبكة عمل مترابطة، وقيادة قريبة من فروعها، وتواصلاً مستمراً يساعد على سرعة معالجة المشكلات وتسهيل الإجراءات.
وهذا أيضاً جزء من تطوير أدوات العمل المؤسسي؛ فبدلاً من انتظار وصول المشكلات إلى المركز، تصبح القيادة على تواصل مباشر مع الفروع، وتتابع احتياجاتها أولاً بأول. فالصياد الماهر لا يهتم بشباكه فقط، بل يعرف أحوال البحر ويتواصل مع فريقه أينما كان.
فالمؤسسة ليست مجرد جهة تستقبل الاشتراكات أو تصرف المعاشات والمستحقات، بل هي مؤسسة ذات رسالة اجتماعية واقتصادية، تقوم على حماية العاملين من المخاطر التي قد تواجههم خلال حياتهم العملية، وتوفير الحقوق التأمينية عند التقاعد أو العجز أو الوفاة، وفقاً للقانون. ومن هنا فإن توسيع التغطية التأمينية، وتحسين مستوى الخدمات، وتحصيل الاشتراكات، والمحافظة على حقوق المؤمن عليهم، ليست ملفات إدارية هامشية، بل هي جوهر وجود المؤسسة.
وهناك موقف لا أنساه. فبمجرد أن بدأت القاذفات من مليشيات الحوثي تقذف في محيط مبنى فرع المؤسسة في تعز، رغم أن الفرع لم يعد يعمل من ذلك المبنى وانتقل إلى وسط المدينة، ولم يكن قد بقي فيه سوى الأرشيف، لم يهدأ الحياني حتى جرى نقل أرشيف المؤمن عليهم إلى مكان آمن.
قد يرى البعض أن الأمر مجرد نقل ملفات، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك. هذا الأرشيف يحمل سجلات وبيانات وحقوق مؤمن عليهم، والتفريط فيه قد يعني ضياع سنوات من العمل والحقوق. لذلك كان الإصرار على إنقاذه موقفاً مسؤولاً يستحق الإشارة.
وفي جانب آخر، تحرك ملف الحسابات الختامية التي ظلت عملية إغلاقها متوقفة لسنوات، وبدأت القيادة العمل على معالجة هذا التراكم، بالتعاون مع المختصين في الشؤون المالية، وصولاً إلى إغلاق الحسابات المتأخرة.
وهذا الملف مهم أيضاً، لأن المؤسسة التي تريد توسيع مظلة التأمين وتحسين خدماتها والوفاء بالتزاماتها تجاه المؤمن عليهم تحتاج إلى بيانات مالية واضحة وحسابات منتظمة وإدارة مواردها بكفاءة. فالاستدامة المالية والانضباط المحاسبي جزء أساسي من حماية حقوق المؤمن عليهم، وليسا مجرد متطلبات روتينية.
ما أريد قوله إن الحياني وباسردة لم يعودا شخصين جاءا من خارج المؤسسة لأداء مهمة عابرة. لقد أصبحا جزءاً من المؤسسة وأسرتها الإدارية، ونجاحهما من نجاحها، وأي تقدم يتحقق فيها هو مكسب للموظفين والمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات والمنشآت الخاضعة للتأمين.
لكن أمامهما ملفات أكبر من مجرد التحرك الميداني، منها تطوير أداء الفروع، وتحديث قواعد البيانات، وتوسيع نطاق التفتيش التأميني، ورفع مستوى تحصيل الاشتراكات، ومعالجة أوضاع المنشآت غير الملتزمة، وتحسين الخدمات المقدمة للمؤمن عليهم، والعمل على تسهيل الإجراءات وتعزيز ثقة أصحاب العمل والعاملين بالمؤسسة.
هذه هي الأهداف التي ينبغي أن تتجه إليها الجهود، حتى تتحول الحركة الإدارية الحالية إلى نتائج ملموسة يشعر بها الموظف وصاحب العمل والمؤمن عليه والمتقاعد.
لكن المسؤولية لا تقع على القيادة وحدها. فالمؤسسة تحتاج إلى تعاون الجميع، وإلى موظفين يشعرون أن نجاحها مسؤوليتهم أيضاً، وأن ما يجري اليوم فرصة لتحريك العمل ومعالجة سنوات من التعثر. كما تحتاج إلى تكامل الجهود مع السلطات المحلية والجهات الحكومية والقطاع الخاص، لأن توسيع مظلة التأمين لا تستطيع المؤسسة تحقيقه بمعزل عن شركائها.
لهذا أعود إلى المثل من جديد. سالم العولقي أنصف الموظفين وساعدهم في الحصول على حقوقهم، واختار للتأمينات صيادين ماهرين. لكن الحياني وباسردة لم ينتظرا هدوء البحر، بل نزلا إليه وبدآ الصيد وسط التحديات.
وهذه هي القيادة التي نحتاج إليها؛ قيادة لا تنتظر الظروف المثالية، بل تعمل بما هو متاح وتواجه الصعوبات. ويبقى نجاح هذه التجربة مسؤولية مشتركة بين القيادة وكل موظفي المؤسسة.
فالمؤسسة تحتاج إلى فريق يعرف كيف يوسع بحرها، ويطور أدواته، ويزيد عدد المستفيدين من مظلتها التأمينية، ويحافظ على حقوق المؤمن عليهم، ويضمن استمرار خدماتها للأجيال القادمة.
فالصيد الحقيقي يبدأ من جنود التفتيش التأميني الذين ينزلون إلى الميدان ويبحثون عن المنشآت والعاملين الذين لم تصل إليهم مظلة التأمين بعد، وتقف وراءهم قيادة تعرف كيف توجه جهودهم، وتوفر لهم الأدوات، وتفتح أمامهم الطريق. عندها يصبح البحر أكثر عطاءً، وتصل الحماية التأمينية إلى كل عامل يستحقها.