آخر تحديث :الأحد-08 نوفمبر 2026-06:54م

حين يُختطف الوطن، ثم تُختطف الحقيقة

الأحد - 08 نوفمبر 2026 - الساعة 04:33 م
د. أسامة عبدالاله الأصبحي


في اليمن لم تعد الحرب تكتفي بأن تقتل الإنسان، لقد وصلت إلى مرحلة تحاول فيها أن تقتل الحقيقة أيضا.

وحين تُقتحم قرى اليمنيين، ويُقتاد أبناؤها من بين أهلهم وبيوتهم، ثم يُعاد تقديمهم للرأي العام تحت عناوين من قبيل (أسرى حرب)، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف على التسمية، بل تصبح محاولة لإعادة صياغة الجريمة في وعي الناس، وتحويل الضحية إلى طرف في معركة لم يخترها.

أبناء القرى ليسوا أرقاما في بيانات الحرب، وبيوت المدنيين ليست جبهات قتال.

فالمواطن الذي يعيش في قريته، ويزرع أرضه، ويؤمّن أسرته، ثم يجد القوة المسلحة تقتحم محيطه أو منزله وتقتاده بعيدا عن أهله، لا ينبغي أن يصبح مجرد رقم في قوائم الأسرى، قبل أن تُعرف ظروف احتجازه وأسباب القبض عليه ومكانه والضمانات القانونية التي تحيط به.

الحرب لا تمنح أحدا رخصة لاقتلاع المدنيين من بيوتهم.

لقد دفعت تعز، كما دفعت مدن وقرى يمنية أخرى، ثمنا باهظا لهذه الحرب قتلى وجرحى، نازحون وأسر مكلومة، بيوت فقدت أصحابها أو فقدت أمنها.

والأشد قسوة أن اليمني لم يعد يواجه خطر الموت وحده ، بل يواجه خطر أن تُروى قصته بعد ذلك بطريقة تمحو حقيقة ما حدث له.

من هنا فإن واجبنا ليس أن نبدّل أسماء الوقائع، بل أن نتمسك بحقيقتها.

إذا كان المحتجزون مدنيين، فليُعاملوا وفق القانون، وليُكشف عن مصيرهم وأماكن احتجازهم، وليتمكن ذووهم من معرفة أحوالهم، وليُفتح الباب أمام الجهات المختصة للتحقق من ظروف القبض والاحتجاز.

أما تحويل كل محتجز إلى (أسير حرب) لمجرد وجوده في منطقة نزاع، فلا ينبغي أن يكون وسيلة لإخفاء حقيقة ما جرى، ولا غطاء لتجاوزات قد تكون محل تحقيق ومساءلة.

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الأكاذيب السياسية، بل إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة.

فالدولة حين غابت، تمددت البنادق.

وحين تراجع القانون، تقدمت القوة.

وحين سقطت هيبة المؤسسات، أصبح المواطن هو الحلقة الأضعف.

وهذه هي المأساة الكبرى التي يجب ألا نغفل عنها وسط ضجيج الحرب، أن الانقلاب على الدولة لم يكن انقلابا على مؤسساتها فقط، بل كان انقلابا على فكرة المواطن الآمن، وعلى حق الإنسان في أن يعيش في منزله دون أن يصبح منزله ساحة حرب.

لا نريد لليمن أن يبقى بلدا تُختطف فيه الأجساد، ثم تُختطف معها الرواية.

نريد دولة يكون فيها القانون أعلى من البندقية، والقضاء أقوى من الجماعة، وحرمة البيت أقوى من منطق الحرب.

فالضحية لا تصبح أسيرا بتغيير الاسم، والجريمة لا تفقد خطورتها بتغيير الوصف، والحقيقة لا تتغير لأن طرفا مسلحا قرر أن يكتب لها رواية أخرى.

لا يجوز أن تُختطف الضحية مرتين ، مرة من بيتها، ومرة من الحقيقة.

وهذا هو الوجع اليمني الأكبر ..

أن يموت الإنسان، ثم تبدأ معركة أخرى حول من يملك حق رواية موته.

وطن كهذا لا يحتاج إلى مزيد من المتحدثين باسم الحرب، بل إلى من يتحدث باسم الإنسان.

لأن اليمن لن ينهض حين تنتصر البنادق، وإنما حين ينتصر القانون.




بقلم: المحامي د. أسامة عبدالاله الأصبحي

رئيس شبكة محامون ضد الفساد

____________________