تتكشف المعالم الحقيقية لمعركة بناء الدولة في اللحظة التي تواجه فيها السلطة السياسية أعتى اختبارات وجودها، وهو اختبار النزاهة والمكاشفة واستعادة شرف التكليف بالمسؤولية العامة. فلم تكن إدارة الشأن العام في أصل نشأتها سوى أمانة ومسؤولية أخلاقية غايتها خدمة الناس وترسيخ مؤسسات الدولة الحامية لحقوقهم. لكن تحول هذه الإدارة، في محطات تاريخية متعاقبة، إلى مظلة لحماية النفوذ واستنزاف الموارد، جعل من الفساد إرهاباً مالياً يبدد مقدرات الأمة ويعطل مقومات الحياة الكريمة. ولعل التأمل في المسار الإصلاحي الذي بدأ يتشكل عبر إحالة الملفات إلى القضاء وتفعيل دور الأجهزة الرقابية هي خط دفاع أخلاقي وسياسي لا يحتمل التراجع أو المساومة.
وما تكشفه جذور هذه المعركة هو أن لا دولة تقوم على استباحة حقوق شعبها، ولا شرعية تكتمل فيما مقدراته عرضة للنهب والعبث. فالمساءلة الشاملة ووقف استنزاف المال العام هما المدخل الحقيقي لإنهاء الفوضى وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة ومثلما تقتضي العدالة مواجهة الأفكار الهدامة على مختلف الأصعدة، فإن تفكيك إمبراطوريات المال الحرام يتطلب إرادة حاسمة وقوانين نافذة لا تستثني أحداً، لتتحول مساءلة المسؤولين عن مصادر ثرواتهم التي راكموها خلال توليهم المناصب العامة إلى إجراء مؤسسي راسخ، يكرّم الشريف ويبرئ ذمته، وينزع غطاء الحصانة الوهمية عمن يستغلون الدولة لتدمير مؤسساتها من الداخل. فالموقع الوظيفي ليس درعاً يحمي صاحبه من الشبهات، انما هو تكليف يخرج منه المسؤول ناصع الصفحة، عزيزاً بين أبناء وطنه، حين تكون يداه طاهرتين من المال العام.
وفي محافظاتنا المحررة ، تجاوز الفساد حدود التجاوزات الإدارية والمالية، وأصبح أحد أخطر العوامل التي أضعفت الدولة وأطالت معاناة المجتمع. فالأموال التي كان يفترض أن تتحول إلى كهرباء ومياه وطرق ومستشفيات وفرص عمل، تبددت على مدى سنوات طويلة بين شبكات المصالح وسوء الإدارة وغياب المساءلة. ولذلك، لم تعد مواجهة الفساد خياراً سياسياً يمكن تأجيله، بل أصبحت شرطاً أساسياً لأي حديث جاد عن التعافي واستعادة مؤسسات الدولة.
ولعل ما يستحق التذكير هنا ما أعلنه الدكتور أحمد عوض بن مبارك في يناير 2025، حين كان رئيساً للوزراء، بشأن وضع مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في صدارة برنامج الإصلاح الحكومي. وكانت زيارته الأولى للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة رسالة واضحة بشأن أهمية الرقابة، ترافقت مع حديث عن مراجعة أداء المؤسسات وإحالة ملفات إلى النيابة العامة، والتأكيد أن لا أحد فوق المساءلة.
غير أن مغادرته رئاسة الحكومة كشفت عن مشكلة أعمق من مجرد تعثر إجراءات بعينها، تتمثل في غياب الاستمرارية المؤسسية. فمكافحة الفساد لا ينبغي أن ترتبط برئيس حكومة أو وزير، ولا أن تتقدم مع قدوم مسؤول وتتراجع برحيله، لأن الشبكات التي راكمت نفوذها وثرواتها داخل مؤسسات الدولة لا تفقد مواقعها بمجرد تغير الأشخاص.
ومن هنا تبرز أهمية مواصلة ما بدأه الدكتور بن مبارك في عهد رئيس الوزراء الحالي الدكتور الزنداني، والبناء على ما تحقق، ومواكبة التوجهات المعلنة لمواجهة الفساد. فالمطلوب اليوم أن تتحول هذه التحركات إلى مسار عملي ثابت، يصل إلى مراكز النفوذ دون استثناء، ويضع الجميع أمام حكم القانون، بعيداً عن الانتقائية وتصفية الحسابات. فالمحاسبة التي تستثني أصحاب النفوذ تفقد معناها، والحملة التي تتوقف عند صغار الموظفين لا يمكن أن تقنع مجتمعاً يعرف جيداً أين تكمن مواطن الخلل الحقيقية.
فالفساد في بلد كاليمن أشد فتكاً على المدى الطويل من الإرهاب فالإرهاب يهدد حياة الناس بالعنف، أما الفساد فيستنزف حياتهم بصمت، ويصادر فرص أبنائهم، ويعطل الخدمات، ويهدم ثقة المواطن بمؤسسات يُفترض أن تحمي حقوقه. إنه اعتداء يومي على المجتمع، يرتدي أحياناً صفة رسمية ويحتمي بختم الدولة بدلاً من أن يخدمها.
كما أن نجاح الحكومة لا يتجلى بعدد الاتفاقيات والمشاريع التي تعلنها، وإنما بقدرتها على حماية الموارد وضمان وصولها إلى مستحقيها. فلا جدوى من استقطاب الاستثمارات إذا ظلت المؤسسات عاجزة عن إدارة أموالها، ولا معنى للحديث عن التنمية بينما تستمر الممارسات التي أهدرت فرص البلاد طوال سنوات.
لقد أنهكت الحرب هذا البلد، لكن استنزاف الدولة لم يحدث على جبهات القتال وحدها. فهناك جبهة أخرى ظلت تعمل بصمت، أضعفت المؤسسات وبددت الموارد ووسعت الفجوة بين المواطن والدولة. ومواجهة هذه الجبهة تحتاج إلى إرادة سياسية لا تتراجع أمام أصحاب النفوذ، وأجهزة رقابية وقضائية مستقلة، وإعلام مسؤول يراقب ويتابع دون تشهير أو حسابات شخصية.
واليوم، لا ينتظر الناس من الحكومة بياناً جديداً عن مكافحة الفساد بقدر ما ينتظرون نتائج ملموسة تثبت أن زمن الحصانة غير المعلنة قد انتهى، وأن المسؤولية العامة لم تعد غطاءً للإثراء والنفوذ. فهذه المعركة ليست معركة حكومة ضد خصومها، بل معركة دولة من أجل بقائها، ومجتمع من أجل استعادة حقوقه.
فالمعركة مع الفساد لا تُحسم بالتصريحات ولا بتبديل المسؤولين، وإنما بإرادة لا تنكسر أمام النفوذ، وعدالة لا تعرف الاستثناء. فحين يصبح القانون سيداً على الجميع، تبدأ الدولة باستعادة عافيتها، ويستعيد المواطن ثقته بأن حقوقه ليست غنيمة في أيدي المتنفذين.