بقلم: نايف القانص
تعمدت بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الشرعية، طوال سنوات الصراع، إذكاء العوامل الطائفية والمذهبية، بدلاً من التركيز على جوهر المعركة وأهدافها الوطنية. وكان الخصم أكثر الأطراف استفادة من هذا الخطاب، إذ أحسن توظيفه سياسياً وعقائدياً وعسكرياً.
فليس بالضرورة أن تكون غالبية الحاضنة الاجتماعية للحوثيين، أو المقاتلين في صفوفهم، مقتنعة بفكرة الولاية القائمة على حصر حق الحكم في البطنين، أو مؤمنة بالمشروع الحوثي بأبعاده الفكرية والعقدية. لكن خطاب الطرف الآخر، من خلال استعداء المذهب الزيدي بكامله، ووصم كل من يقف مع الحوثيين بتوصيفات مهينة مثل «الزنابيل»، أسهم في دفع قطاعات اجتماعية إلى الاحتماء بهويتهم المذهبية، ومنح الحوثيين فرصة ثمينة لتوظيف ذلك في حشد الأنصار وتوسيع نفوذهم.
وقد استطاع الحوثيون استثمار هذه الأخطاء والمضي في مشروعهم عبر ثلاثة مسارات متوازية:
1. المسار العقائدي: بناء وترسيخ العقيدة المرتبطة بفكرة الولاية لدى الأجيال الناشئة، من خلال المراكز الصيفية والتعليم والتعبئة والتوجيه الفكري.
2. المسار العسكري: بناء قوة قتالية تستفيد من الظروف القائمة، ومن أخطاء الخصوم وانقساماتهم، وتوظف إمكانات الحرب لتعزيز قدراتها واستمرار نفوذها.
3. المسار الاجتماعي والسياسي: حشد الموالين من الهاشميين، وتأهيلهم وتمكينهم في مفاصل الدولة ومؤسساتها المهمة، بما يضمن استمرار السيطرة وإعادة إنتاج النفوذ.
وتسخر الجماعة إمكانات الدولة ومؤسساتها ومواردها لترسيخ هذه المسارات الثلاثة وضمان استمراريتها.
إن الخطاب الإعلامي الذي يتبنى هذه المقاربة الطائفية يتناقض مع جوهر المعركة الوطنية، بل إنه يعزز الرواية التي يروج لها الخصم، ويمنحه مبرراً لتصوير صراعه باعتباره معركة عقيدة ومذهب واستقلال سياسي وسيادي، لا معركة بين مشروع جمهوري يسعى لاستعادة مؤسسات الدولة ومشروع سلالي يسعى لاحتكار السلطة وإخضاع المجتمع.
والأخطر من ذلك أن بعض الأطراف التي تنسلخ عن جماعة الحوثيين، أو تعلن مراجعة مواقفها والابتعاد عنها، تظل في نظر هذا الخطاب حوثية بالضرورة، وكأن لا مجال للمراجعة أو العودة إلى الصف الوطني. وهذا السلوك لا يضعف الخصم، بل يدفع المترددين والراغبين في الانشقاق إلى التراجع، ويفضل بعضهم البقاء تحت سلطة الجماعة، ولو في موقع الصمت، على مواجهة مجتمع لا يمنحهم فرصة للعودة.
ما يجب على هذه الآلة الإعلامية أن تدركه هو ضرورة الانتقال من عاطفة التاريخ إلى عقلانية الجغرافيا والسياسة، ومن استدعاء صراعات الماضي إلى فهم معطيات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
فالأخطاء في تشخيص الداء ووصف الدواء ليست مجرد إخفاقات إعلامية عابرة، بل تمثل أحد أهم مصادر قوة الخصم، وتمنحه فرصاً مجانية لتوسيع نفوذه وتعزيز مشروعه.
إن من يريد هزيمة خصم يتموضع على الأرض ويمتلك أدوات السيطرة والنفوذ، عليه أن يواجهه بأدوات القوة الحقيقية: مشروع وطني جامع، وخطاب سياسي مسؤول، وحكم رشيد، ومؤسسات عادلة، وبديل حقيقي يلتف حوله عامة الشعب.
أما إذكاء الخلافات المذهبية واستدعاء صراعات الماضي، وتحويل المعركة من صراع على الدولة والجمهورية إلى صراع على الهويات والمذاهب، فلن يؤدي إلا إلى خدمة الخصم وإطالة عمر مشروعه.
فالمعركة الحقيقية ليست مع الزيدية ولا مع أي مذهب أو مكوّن اجتماعي، وإنما مع مشروع احتكار السلطة على أساس السلالة والحق الإلهي المزعوم، ومن أجل استعادة الدولة والمواطنة المتساوية والجمهورية التي تتسع لجميع اليمنيين.