آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-11:58م

تعز وصنعاء.. حكاية مدينة رفضت القيد وأخرى استسلمت للجلاد

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 09:40 م
محمد منصور المعمري


الحرب في اليمن رَغم خسائرها الفادحة على مستوى الأرواح والعتاد والبنية التحتية لكنها كشفت وما تزال معادن الناس وحقيقتهم سِلباً وإيجاباً ، ولنجعل من صنعاء وتعز مقارنةً هُنا ، فالأُولى رغم ثِقَلها التاريخي والسياسي والقبلي واحتضانها لكل مؤسسات الدولة المركزية منذُ عقود جعلت من نفسها "لُقمةً سائغةً" للحوثي فاستطاع هو ترويضها – ومعها عشرُ أُخريات– بأقل جهود وخسائر مُمكنة ، ولا يوجد في ذلك فرق أكان طوعاً أو حتى كُرهاً ، كان حريّ بصنعاء أن تغضب وتثور مجرد أن بدأ الحوثيون يسلكون طريقاً خاطئاً وخطيراً إذ تحولوا من مُشاركين في الثورة (2011) إلى انقلابيين على الدولة في أواخر العام 2014 ، ومن هُنا بدأ التحول الذي لم نكُن نتمناه، لكنها لم تفعل !


على كل حال بدأ الحوثي بالتمدد والتهام أغلب محافظات الشمال شيئاً فشيئاً –وإن كان قد واجه بعض المقاومة هُنا أو هُناك –لكن سرعان ما كانت تُحسم الأمور لصالحه فتساقطت المدن بيده تباعاً كأوراق الخريف ، وشرع يبث سموم أفكاره الخبيثة مُستغلاً الفراغ الذي تركته الدولة وغياب التوعية المجتمعية ، فتمكن من غسل أدمغة الناس –باستثناء بعض الأحرار – ولغّم عقول الأطفال بخزعبلات السيئ ورسّخ فيهم ثقافة الموت والقتل بكل حقد ، حتى غدا تحرير عقولهم ربما أصعب من تحرير البلاد نفسها ، ومرّر رسائله المُفخخة تحت غطاء ديني وخطاب أيديولوجي وسرعان ما كان يُلاقي استجابة من قِبل الكثير من الجهلة وبائعي الضمير والأرض والعرض معاً متوهّمين بأنه المُنقذ الوحيد لكل البلاد رغم أنه الخطر بنفسه ، صحيح أن الحوثيين انطلقوا من صعدة مروراً بعمران حتى وصلوا إلى صنعاء لكننا نتحدث عن صنعاء ونُلقي عليها اللوم الأكبر باعتبارها "العاصمة السياسية" للبلاد فهي التي يُفترض أن تكون أول وأكثر من يُدافع عن الدولة والجمهورية والمكسب السبتمبري الذي كان ثمنه باهضاً على اليمن ومصر معاً ، للأسف أثبت الواقع بأن "صنعاء "رغم ما حظيت به من امتيازات وأهمية إلا أنها بدت هشّة أمام الحوثيين ولم تعُد مؤهلةً لأن تبقى عاصمةً للبلاد –إن تحرر الوطن أصلاً– لأنها بكل اختصار" تُسلّم نفسها للأقوى دائماً " وبالتالي مهما كانت مدينة جميلة وتاريخية فهذا وحده لا يكفي ليجعل منها عاصمةً ومركز ثِقَلٍ سياسي لبلدٍ كاليمن جُلّ تاريخه فوضى وصراعات واقتتال وهي لا تملك الشجاعة حتى للدفاع عن نفسها ، هذه مُكاشفةً مُهمة يجب قولها وإن اتت مُتأخرة ، فأهمية العواصم تُكتسب من الأفعال التي تتفرّد بها عن غيرها بعيداً عن كل المُزايدات والعواطف، على العكس تماماً ما يحدث في تعز ، فمنذُ بداية الحرب وهي تُدافع عن نفسها بل على كل اليمن من الحوثيين وأشرارهم مُقدمةً فواتير باهضة من الشهداء والجرحى ناهيك عن الأضرار المادية وتدمير البنية التحتية فيها ، تعز التي لطالما واجهت الإساءة من الجميع كانت وما زالت قلعةً صامدةً عصيةً على الانكسار أمام كل مُحاولات الاخضاع حتى غدت كابوساً مُرعباً للحوثيين بل "عُقدتهم الأكبر" بوعيها وشجاعتها وعزيمتها التي لا تلين ، بل إن من المُفارقات الموجعة أن الشمال كله ما زال يحتشد تلبيةً لنداء الحوثيين للذهاب إلى تعز لقتالنا ومُحاصرتنا، فيما إخواننا الجنوبيون الذين أصبح مصيرنا وإياهم مشتركاً كانوا وما زالوا عوناً وسنداً لنا في الوقت الذي تخوض فيه تعز أكثر المعارك ضراوةً وتعقيداً لتُثبت بأن الرهان عليها لن يخيب رغم الحصار الخانق والقصف العشوائي الذي يُمطرها كل يوم بجميع أنواع الأسلحة، ولكنها ستنتصر بإذن الله وبصمود أبنائها الأبطال ، وبعدها ستتأهب مع بقية الأحرار لتحرير بقية الشمال من الوباء الحوثي، تخيل من يُقاتلك اليوم هو نفسه من تعتزم تحريره غداً ، فيا للعظمة والتسامي يا تعز ، ولا ننسى دور مأرب التي هي الأخرى في الشمال قدّمت تضحياتٍ جسام واستطاعت أن تُحافظ على الجزء الأكبر منها فلها كل المجد والتقدير .


إجمالاً ما زالت الفرصة سانحة لتشكيل ثورة حقيقية من الداخل في كل المحافظات القابعة تحت سيطرة الحوثيين وفي مُقدمتهم "صنعاء" وإن كانوا سيُواجهون قمعاً وقتلاً من الحوثيين بطبيعة الحال لكن بكل تأكيد ستكون الخسائر أقلّ مُقارنةً بالزجّ بعشرات الآلاف من أبنائهم إلى تعز تحت شعار "الحرب ضد المرتزقة والعطوان" من خلال "النكف القبلي" الذي برز مؤخراً بشكل فظيع ، حيثُ يتناوب في سحقهم أبطال تعز من جهة والطيران الجوي من جهة أخرى حتى غدَوا وجباتٍ دسمةً لكلاب المدينة والله المستعان ، فمتى ستنفضون غبار الذلّ يا قوم ؟؟؟


1 نوفمبر 2026م