بقراءة عميقة للمشهد السياسي في اليمن نجد أن جذور الأزمات فيها نتيجة التدخلات الخارجية ، وبسبب ذلك لن تعرف اليمن دروب الأمن والأمان ، ولن تستعيد استقرارها وسلامها المفقود ، أو تمضي في طريق التطور والازدهار ووقف نزيف الدم المستمر بين الأخوة ، إلا عندما ترفع القوى دول الجوار يدها عن التدخل في الشأن اليمني الداخلي ، والتوقف عن محاولات فرض الهيمنة والسيطرة ، وتغذية بؤر الفتن والشقاق بين أبناء الشعب الواحد. هذا الشعب الذي عرف تاريخياً بوحدته ، وتماسكه، وإرثه الحضاري العريق.
إن القراءة المنصفة للتاريخ تؤكد أن اليمن كان مهد الحضارات الإنسانية السابقة ، وموطن التطوير والعمران ، ففي الوقت الذي كانت فيه شعوب أخرى تعيش حياة الرعي والترحال البسيط في القفار ، كان الإنسان اليمني يشيد ناطحات السحاب الطينية الأولى في التاريخ ، ويبني القصور العظيمة كقصر غمدان ، ويؤسس الممالك العتيقة مثل سبأ وحمير وقتبان ، ويهندس السدود العظيمة كسد مأرب التي روت الأرض وصنعت معجزات زراعية أبهرت العالم .
بالمقابل ، لا يمكن إغفال الحقائق التاريخية المرتبطة بنشوء بعض الكيانات السياسية في المنطقة ، حيث لعبت القوى الاستعمارية ، وعلى رأسها بريطانيا ، دوراً محورياً في رسم
خارطة المنطقة وهندسة حدودها السياسية الحديثة بناء على مصالحها الاستراتيجية . وقد جاء هذا الدور في سياق تفتيت الخلافة العثمانية وإضعاف المنطقة عبر التحالفات التي أدت لاحقاً إلى تمكين الغرب من مقدرات الشرق الأوسط، وتمرير مشاريع ومخططات كارثية ، على رأسها حماية استمرار فاعلية "وعد بلفور" وضمان التفوق الأجنبي في المنطقة .
إن محاولات القفز على التاريخ أو محو الهوية اليمنية عبر سياسات التدخل السافرة لن تفلح في تغيير الحقيقة الثابتة ، فاليمن يمتلك جذوراً حضارية أعمق من كل الأزمات العابرة ، ولن يتحقق السلام المستدام في هذه البقعة الغالية من العالم إلا بترك القرار لليمنيين أنفسهم ، بعيداً عن الوصاية أو الإملاءات ، ليعيدوا بناء وطنهم الذي طالما كان منارة للشرق وعنواناً للحضارة والتطور .
عبدالكريم الدالي