آخر تحديث :السبت-31 أكتوبر 2026-12:24م

شائع الزنداني وحكومة الرقم القياسي من داخل اليمن

السبت - 31 أكتوبر 2026 - الساعة 12:45 ص
مصطفى غليس


شائع الزنداني وحكومة الرقم القياسي من داخل اليمن


مصطفى غليس


على قصر المدة التي أمضاها في رئاسة الحكومة، يبدو أن دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني في طريقه لتسجيل رقم قياسي، في مدة بقائه وحكومته داخل اليمن، واتخاذ العاصمة المؤقتة عدن مقرًا لإدارة شؤون الدولة، مقارنة بما اعتاده اليمنيون من تعاقب الحكومات التي تولت المسؤولية منذ عام 2015، وأدارت جانبًا كبيرًا من أعمالها من الخارج.


واللافت أكثر أن الزنداني يقود الحكومة من الداخل، معززًا حضورها الميداني، رغم التصعيد العسكري الكبير لمليشيا الحوثي الإرهابية، واستهدافها المتكرر مدينة عدن ومنشآتها الحيوية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، بما في ذلك قصر معاشيق، مقر الحكومة، في منتصف أكتوبر الجاري، ومطار عدن الدولي الذي استهدفته للمرة السابعة خلال أربعة أسابيع، في محاولة لتعطيله وشلّ حركة الملاحة الجوية، آخرها مساء اليوم 30 اكتوبر 2026.


هذا الصمود دفعني إلى محاولة تقييم تجربة الدكتور الزنداني وأداء حكومته، بعد مرور ما يقارب عشرة أشهر على تعيينه، وما اتخذته من خطوات وقرارات لإعادة الاعتبار للعمل الحكومي، ومحاولاتها الحثيثة للاقتراب من الناس وملامسة همومهم، في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد، تتداخل فيها تحديات الحرب والاقتصاد والأمن والخدمات، وتتعاظم معها معاناة المواطنين وتوقعاتهم من الحكومة.


ولعل أول ما يستوقف المتابع في تجربة الزنداني هو شروعه في الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة إدارة الدولة وفق برنامج حكومي واضح، وهي خطوة قد تبدو اعتيادية في البلدان المستقرة، لكنها في الحالة اليمنية تمثل تحولًا مهمًا بعد سنوات من غياب التخطيط المنتظم، وانشغال الحكومات المتعاقبة بإدارة الأزمات اليومية والتعامل مع تداعيات الحرب.


منذ تعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء في 15 يناير 2026، وتشكيل حكومته في السادس من فبراير، بدا واضحًا أن الدكتور شائع الزنداني يسعى إلى إحداث تغيير في طريقة إدارة العمل الحكومي. ولم تمضِ سوى أيام حتى انتقلت الحكومة إلى عدن، وعقدت أول اجتماعاتها في 19 فبراير، لتبدأ مرحلة مختلفة عنوانها الحضور المباشر، والعمل من الداخل، وتحمل المسؤولية من موقعها الطبيعي.


وفي الأول من مارس، أقر مجلس الوزراء مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، للمرة الأولى منذ سنوات من انقطاع أدوات التخطيط المالي المنتظم. وبعد أربعة أيام، وتحديدًا في الخامس من مارس، أقر مشروع برنامج عمل الحكومة وأولوياتها للعام نفسه، متضمنًا مسارات اقتصادية ومالية وإدارية وخدمية وأمنية واضحة المعالم.


وهنا تكمن أهمية الخطوتين؛ فالحكومة لم تكتفِ بإعلان النوايا أو طرح الشعارات العامة، بل وضعت إطارًا ماليًا وبرنامجًا للعمل، بما يتيح الانتقال من القرارات الارتجالية والمعالجات المؤقتة إلى تحديد الأولويات وربط الإنفاق بالموارد والأهداف، ويمنح مؤسسات الدولة مرجعية يمكن من خلالها قياس أدائها ومحاسبتها على ما تحقق وما تعثر.


صحيح أن إقرار الموازنة والبرنامج الحكومي لا يعني بالضرورة نجاح تنفيذهما كليًا في ظل الظروف والاختلالات والتراكمات السلبية الناجمة عن الحرب وتداعياتها والتي نعلمها جميعًا، لكنه يمثل بداية ضرورية لاستعادة واحدة من أهم وظائف الدولة التي تعطلت بفعل الحرب والأزمات السياسية والاقتصادية.


أما التحول الثاني، فيتمثل في الانتقال من إدارة المؤسسات الحكومية عن بُعد إلى المتابعة المباشرة من العاصمة المؤقتة عدن. فقد حرص الزنداني على تنفيذ زيارات ميدانية إلى الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، والاجتماع بقياداتها، ومناقشة خططها وأولوياتها والصعوبات التي تعترض أعمالها، ومتابعة مستوى الانضباط الإداري وتنفيذ القرارات.


ولم تقتصر هذه الزيارات على الجانب البروتوكولي، بل شملت مؤسسات ترتبط مباشرة بأداء الدولة وحياة المواطنين، وفي مقدمتها وزارتا المالية والخدمة المدنية والتأمينات، ووزارة الصناعة والتجارة، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وغيرها من المؤسسات المعنية بالإصلاحات المالية والإدارية والخدمات.


من المهم هنا الإشارة إلى أن المواطن الذي طحنته الحرب والصراعات السياسية،فقد ثقته بأسلاف الزنداني وحكوماتهم المتعاقبة بسبب عملها من الخارج، وبالتالي فإن قيادة الحكومة من عدن تتيح لرئيسها الوقوف بصورة مباشرة على مواطن الخلل، والاستماع إلى المسؤولين، ومتابعة تنفيذ التوجيهات، ومساءلة المقصرين، والأهم الاقتراب من الواقع الذي يعيشه المواطن بدل الاكتفاء بالتقارير التي ترفع إليه.


وفي تقديري، فإن هذا التحول لا يقل أهمية عن القرارات الاقتصادية والإدارية نفسها؛ لأن مشكلة الحكومات اليمنية لم تكن يومًا في نقص القرارات والخطط وحدها، بل في غياب المتابعة وضعف التنفيذ والمحاسبة، واتساع المسافة بين المسؤول والمواطن.


ومن أبرز ما يحسب لحكومة الزنداني أنها أعادت فتح ملفات حقوق الموظفين التي ظلت مؤجلة لسنوات طويلة، واتخذت حزمة من القرارات لتحسين أوضاعهم المعيشية والوظيفية، في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة.


فقد أقر مجلس الوزراء صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة، واعتماد العلاوات السنوية المستحقة عن أربعة أعوام سابقة، من 2021 حتى 2024، إلى جانب معالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عامًا، وتنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية لأعضاء هيئة التدريس والكوادر الأكاديمية في الجامعات.


ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القرارات أنها لم تقتصر على معالجة استحقاقات نشأت في عهد الحكومة الحالية، بل امتدت إلى حقوق تراكمت في عهد حكومات سابقة، وكان يفترض أن يحصل عليها أصحابها في مواعيدها القانونية.


وهذا في حد ذاته توجه يستحق التوقف عنده، فالحكومة التي تتبنى معالجة التزامات ورثتها عن سابقاتها، بدل التنصل منها أو إرجاء النظر فيها، تقدم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع المسؤولية العامة، وتؤكد أن حقوق الموظفين التزامات على الدولة لا تسقط بتغير الحكومات.


وبالطبع، فإن القيمة الحقيقية لهذه القرارات ستتحدد بمدى تنفيذها ووصول مستحقاتها إلى الموظفين، وانتظام صرف رواتبهم مستقبلًا، لا بمجرد صدورها، لكن إعادة فتح هذه الملفات، بعد سنوات طويلة من الجمود، خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.


وبالتوازي مع ذلك، شرعت الحكومة في مسار للإصلاح المالي والإداري والمؤسسي، وشكلت لجنة وزارية للإصلاح المؤسسي برئاسة رئيس الوزراء، تتولى قيادة هذا المسار ومتابعة تنفيذه، بما يعزز كفاءة الجهاز الإداري ويرفع مستوى الحوكمة والرقابة.


وقد بدأت المعالجات من وزارة المالية والجهات الإيرادية، عبر العمل على تحسين تحصيل الإيرادات العامة، وضبط الموارد وترشيد الإنفاق، والحد من الهدر والاختلالات، فضلًا عن متابعة إجراءات مكافحة الازدواج الوظيفي وتصحيح كشوفات الرواتب، بما يضمن وصول المال العام إلى مستحقيه ويقلص فرص التلاعب والفساد.


ومن المهم هنا إدراك أن الإصلاح المالي والإداري في اليمن ليس مهمة سهلة، فالحكومة تتعامل مع مؤسسات أنهكتها الحرب، واختلالات تراكمت على مدى سنوات، وموارد محدودة والتزامات متزايدة. ولهذا فإن نجاح هذه الإجراءات يتطلب نفسًا طويلًا وإرادة سياسية، ومتابعة مستمرة تتجاوز تغيير الأشخاص إلى إصلاح الأنظمة والإجراءات التي سمحت بتراكم تلك الاختلالات.


ولعل أهم ما يميز هذه تجربة حكومة الدكتور الزنداني أن رئيسها لم يحصر دور حكومته في الملفات الخدمية والاقتصادية، على أهميتها، بل حاول ربط العمل الحكومي بالمعركة الوطنية الأشمل لاستعادة الدولة ومؤسساتها.


وقد عبّر عن ذلك بوضوح خلال اجتماع مجلس الوزراء في الأول من أكتوبر الجاري، حين وصف حكومته بأنها "حكومة خنادق"، مؤكدًا أنها ستكون حاضرة في الميدان، وإلى جانب الشعب والمقاتلين في الجبهات، حيثما تقتضي المسؤولية.


ولم يكن هذا الوصف مجرد عبارة حماسية في خطاب رسمي؛ فقد جاء في ظل تصعيد عسكري خطير لمليشيا الحوثي الإرهابية، يستهدف المنشآت الحيوية والمؤسسات الحكومية والمرافق العسكرية والأمنية، ويهدد حياة المواطنين ومصادر معيشتهم.


إن بقاء رئيس الحكومة ومؤسساتها في عدن، رغم هذه المخاطر، يحمل رسالة سياسية ومعنوية مهمة، مفادها أن الدولة لا ينبغي أن تغادر مواقع مسؤوليتها تحت ضغط التهديدات، وأن مواجهة مليشيا الحوثي لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تشمل أيضًا الحفاظ على مؤسسات الدولة، وحماية الاقتصاد، واستمرار الخدمات، وصون حياة المواطنين.


فالمقاتل الذي يصمد في جبهته يحتاج إلى حكومة تدعمه وتؤمّن احتياجاته، والمواطن الذي يتحمل تبعات الحرب يحتاج إلى دولة تشعر بمعاناته وتسعى إلى التخفيف منها، والموظف الذي ينتظر راتبه يحتاج إلى مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها.


وإذا كان من المسلم به أن التحديات التي تواجه الحكومة تتجاوز قدراتها الذاتية، في ظل استمرار الحرب، واستهداف مليشيا الحوثي للمنشآت الحيوية، والاختلالات المتراكمة في مؤسسات الدولة، فضلًا عن محدودية الموارد وحجم الاحتياجات المتزايدة، إلا أن هذه التحديات، على جسامتها، لا ينبغي أن تحجب الخطوات الإيجابية التي تحققت، مثلما لا يجوز أن تكون مبررًا لإعفاء الحكومة من مسؤولية استكمال الإصلاحات وتسريع تنفيذ قراراتها ومواجهة مظاهر الفساد والقصور.


لقد اعتاد اليمنيون خلال سنوات الحرب سماع الوعود والخطط والبرامج، حتى أصبحت ثقتهم بالحكومات مرهونة بما يلمسونه من نتائج على أرض الواقع. ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الزنداني ليس في عدد القرارات التي تتخذها حكومته، ولا في الاجتماعات والزيارات التي يعقدها، وإنما في استمرارية تحويل هذا الحراك إلى نتائج مستدامة، وتحسين حياة المواطنين، واستعادة ثقتهم بالدولة ومؤسساتها.


وإذا كان الزنداني قد نجح حتى الآن في ترسيخ حضور حكومته داخل اليمن، واتخاذ خطوات لإعادة انتظام عمل مؤسسات الدولة وما رافها من خطوات وآثار إيجابية، فإن الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الحضور إلى إنجازات يشعر بها اليمنيون في معيشتهم وخدماتهم وأمنهم واستقرارهم.