آخر تحديث :السبت-31 أكتوبر 2026-12:24م

مجنون كل صاع قال مجنون من قرّب له… والرويبضات يتصدرون المشهد!

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 11:45 م
حسين علي باهميل


حسين علي باهميل


هناك مثل شعبي يقول: «مجنون كل صاع قال مجنون من قرّب له»، وهو مثل تختصر كلماته حكاية مجتمع أصبح فيه بعض الناس لا يرون الخلل إلا في الآخرين، ولا يدركون أن المشكلة قد تكون فيمن قرّبهم، ومن منحهم المنابر، ومن وضعهم في مواقع أكبر من قدراتهم.


وعندما أنظر إلى واقعنا اليوم، وما نشاهده من تصدّر الرويبضات للمشهد، أتذكر هذا المثل بكل تفاصيله.


لم تعد المشكلة في كثرة المتحدثين، ولا في اختلاف الآراء، فحرية التعبير حق، واختلاف وجهات النظر ظاهرة صحية في أي مجتمع. لكن الكارثة أن يتحول الجهل إلى مرجعية، والسطحية إلى مشروع، والادعاء إلى مؤهل، وأن يصبح رفع الصوت بديلاً عن امتلاك المعرفة والخبرة والموقف.


أصبحنا نرى من لا يملك رصيداً من التجربة يتحدث عن مصير الأوطان، ومن لم يستطع إدارة شأنه الخاص ينصّب نفسه خبيراً في إدارة الدول، ومن لا يعرف من التاريخ إلا عناوينه يوزّع صكوك الوطنية والخيانة على الناس!


والأكثر إيلاماً أن هؤلاء لم يصعدوا وحدهم؛ هناك من قرّبهم، وهناك من صنع لهم هالات وهمية، وهناك من منحهم المنابر والمواقع، ثم تباكى على تراجع الوعي وضياع المسؤولية.


فلا تلوموا الرويبضات وحدهم، بل اسألوا أنفسكم: من الذي قرّبهم؟ ومن الذي قدّمهم؟ ومن الذي أقنع الناس بأنهم أصحاب رأي ومشورة؟


إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس نقص الكفاءات، وإنما إقصاء أصحاب الخبرة وفتح الأبواب أمام أصحاب الضجيج. وحين تختلط المقاييس، يصبح صاحب الموقف غريباً، وصاحب المبدأ متّهماً، بينما يجد المتسلق طريقه مفروشاً بالتصفيق.


يا سادة، الأوطان ليست مختبراً لتجارب العاجزين، ولا المناصب مكافآت للمصفقين، ولا القضايا الوطنية ملكاً لمن يتقنون المتاجرة بها.


إن احترام الناس لا يُشترى بالصوت العالي، والمكانة لا تُمنح بالادعاء، والتاريخ لا يكتبه أصحاب الشعارات، بل تصنعه المواقف والتضحيات والإنجازات.


وختاماً، تذكّروا أن المشكلة ليست فقط في مجنون كل صاع، بل فيمن قرّبه، ثم صدّق كلامه، ثم سلّمه المنبر، وبعد ذلك بدأ يشتكي من جنون المشهد!


فإذا أردتم إصلاح الواقع، ابدأوا بإصلاح معايير الاختيار والتقديم، وأعيدوا الاعتبار للعقل والخبرة والكفاءة؛ فالأوطان أكبر من أن يقود وعيها كل من امتلك ميكروفوناً!