كم ظنوا أن الموت سيطوي صفحاتك، وكم توهموا أن أزيز الصواريخ سيخرس فيك نبض الحياة! لقد أرادوا لك أن تكوني مدينة من رماد، تبكي أطلالها في زوايا النسيان، وتندب حظها في مجالس العاجزين. ولكنهم واهمون، لم يقرأوا تاريخ هذا البحر الذي يغسل جراحك كل صباح، ولم يفهموا سر هذه الأرض التي تعجن ترابها بماء الصبر والكبرياء.
في الوقت الذي تمطر فيه السماء حقدا ونارا، وتتساقط القذائف لتحصد الأرواح وتهدم الجدران، تقف عدن شامخة ترفض الانحناء لثقافة الموت. فرغم أنف الدمار، تشرع المدارس أبوابها، ويمضي الأطفال في شوارعها يحملون حقائبهم كما يحمل الفاتحون رايات النصر. يمشون فوق الركام، يبتسمون للصباح الكئيب، ويحيلون دوي الانفجارات إيقاعا عابرا لا يقطع نشيد العلم في طوابيرهم.
إنهم لا يعلمون أن المؤسسات في عدن لم توصد أبوابها رعبا، ولم تهاجر عقولها هربا، بل إنها تعمل وتنبض وتكافح في قلب العاصفة. وها نحن اليوم نجتمع في ورشة عمل، نجلس حول طاولات النقاش، لا لنحصي خسائرنا أو نندب موتانا، بل لنبحث في سبل الحياة، ونخطط لمستقبل المياه في أوديتنا، ولنحمي بيئتنا من جفاف الطبيعة وجفاء البشر. نجلس لنقرأ نتائج الدراسات ونرسم خطط النجاة، بينما الموت يتربص بنا في الخارج. أي عظمة هذه؟ وأي عناد أسطوري يسري في عروق هذه المدينة؟
لقد علمتنا عدن درسا بليغا، كما تعلمنا روايات الصامدين في وجه الطغيان: أن المقاومة الحقيقية ليست حكرا على البنادق، بل هي قلم يكتب، ومعلم يشرح، وعامل يبني، ومؤسسة تواصل عملها بشرف وسط الخراب. إنها إرادة الحياة التي تقهر ثقافة الكهنوت؛ إذ لم تكن ثقافة الأئمة يوما سوى تصدير للموت والدمار ونشر للجهل، بينما تقف عدن اليوم طودا شامخا، تلقنهم دروسا في النور والعلم والتقدم، وتمضي ضياء ساطعا يشق عباب العتمة.
سلام عليك يا عدن، يوم حزنت، ويوم نزفت، ويوم وقفت كالجبل الأشم، تعلمين الدنيا كيف تنبثق الحياة من رحم الرماد.