تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
إذا زانَ أهلُ العدلِ عرشَ مناصبٍ غدا المجدُ في أيدي الرجالِ يُخلَّدُ
وما المنصبُ العالي سوى ظلِّ عابرٍ ومن يزرعِ العلمَ الرفيعَ يُخلَّدُ
فإن ماتَ جسمُ المرءِ فالعلمُ شاهدٌ وإن سقطَ الكرسيُّ فالمجدُ يصمدُ
رجالٌ لهم في الحقِّ أرفعُ منزلةٍ إذا ذُكرَ الإنصافُ قاموا وسُدِّدوا
هناك أشخاصٌ ترسمهم صفحات العلم، فتغدو مجلدات المعرفة مرآةً لخصالهم، وتشهد لهم آثارهم بما حملوا من نور الفكر، ونبل المقصد، وصدق الانحياز إلى العدالة. وهناك من اختزلوا العلم في حروفٍ تعلّموها على قضيب الطباشير أمام جدار السبورة، ثم ظنوا أن ما حفظته الذاكرة قد بلغ بهم غاية الحكمة، وأن ما جلسوا عليه من مقاعد المسؤولية قد صار جزءًا من كيانهم.
وبين الفريقين مسافاتٌ لا تقاس بالأميال، بل بعمق الأثر، وصدق الرسالة، وما يتركه الإنسان خلفه من خيرٍ لا تنقطع ثماره.
فالأول يزرع بذرةً في أرض المعرفة، فتُنبت سبع سنابل، في كل سنبلةٍ مئة حبة، ويظل الناس يأكلون من غرسه في حياته وبعد رحيله. لا ينتظر صدقةً من أحد، ولا يستجدي ثناءً من أحد؛ فقد جعل من علمه صدقةً جارية، ومن فكره إرثًا تتناقله الأجيال، ومن قلمه جسرًا يعبر عليه الباحثون إلى ميادين الفهم والإنصاف.
أما الآخر، فقد يستمد من المنصب شيئًا من هيبته، ومن المقعد بعضًا من احترام الناس له؛ فإذا غادر مقعده، خفت بريقه، وتراجع ما كان يستند إليه من مظاهر المكانة. فالمناصب مهما علت مؤقتة، والكراسي مهما ارتفعت لا تصنع وحدها رجالًا خالدين.
فشتّان بين رجلٍ يمنح المنصب قيمته، ورجلٍ يستمد قيمته من المنصب؛ الأول يبقى أثره وإن رحل، والثاني قد يرحل أثره قبل أن يرحل هو.
### إلى السيد النائب العام، العلامة طاهر مصطفى
سيدي النائب العام،
كلما ظننت أنني استوفيت حق نفسي من الفخر والاعتزاز، وأن قلمي قد قال ما يكفي في التعبير عما أكنّه لكم من تقدير، أجدني أستيقظ على فكرةٍ جديدة، فأعود إلى الكتابة بثقةٍ واعتزاز؛ لا لأنني أبحث عن عبارةٍ ترفع رجلًا فوق قدره، بل لأنني أرى في إنصاف الرجال واجبًا، وفي الإشادة بأهل العلم والعدل شهادةً ينبغي ألا يحجبها الصمت.
إنني أكتب إليكم من موقع الباحث الذي أمضى سنوات عمره بين صفحات القانون، ومن موقع الإنسان الذي يؤمن بأن العدالة ليست نصوصًا تُحفظ فحسب، ولا مناصبَ تُشغل، وإنما هي ضميرٌ حيّ، وعلمٌ راسخ، وإرادةٌ صادقة في إحقاق الحق وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه.
ولست أرى في المنصب غايةً تُطلب لذاتها، وإنما أراه أمانةً تُختبر بها النفوس، وتنكشف في ظلالها معادن الرجال. فكم من منصبٍ أطفأ صاحبه نور العلم حين جعله وسيلةً للمكانة، وكم من رجلٍ أضاء منصبه حين جعله خادمًا للحق، وحارسًا للإنصاف، ونافذةً يعبر منها المظلوم إلى رحاب العدالة.
سيدي العلامة،
إن ما أحمله إليكم ليس مجلدًا فحسب، بل خلاصة رحلةٍ طويلة مع العلم، وثمار أعوامٍ من البحث والتأصيل والمقارنة بين القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء. إنها الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية، التي أردتها أن تكون معينًا للقاضي، ومرجعًا للباحث، وأداةً لفهم النص القانوني وتطبيقه، ومساهمةً في ترسيخ دولة النظام والقانون.
وأنا، إذ أضع العلم أمام رجال المسؤولية، لا أبحث عن مقعدٍ يرفع اسمي، ولا عن بابٍ أستأذن منه طلبًا لمصلحةٍ شخصية؛ وإنما أبحث عن يدٍ تدرك قيمة المعرفة، وعقلٍ يعرف أن العلم إذا التقى بالإدارة الواعية أمكن أن يتحول من صفحاتٍ صامتة إلى أثرٍ حيٍّ في حياة الناس ومؤسسات الدولة.
وكلما تأملت الطريق الذي مضيت فيه، أدركت أن حكاية العلم لا تنتهي عند آخر صفحة، وأن الوفاء للعلماء لا يكون بكثرة الثناء عليهم، بل بفتح الأبواب أمام علمهم، وإتاحة الفرصة له كي يؤدي رسالته.
ولذلك أقول لكم، بكل ما في نفسي من اعتزاز:
إن حكاية قلمي معكم لم تبدأ بعد؛ فما كتبته حتى الآن ليس إلا استهلالًا لحكايةٍ أرجو أن تتحدث فيها المعرفة بلسانها، وأن تشهد فيها المواقف لأصحابها، وأن تجد فيها الموسوعة طريقها إلى من يستطيعون الانتفاع بها وتعميم فائدتها.
وسأظل أكتب ما دام في العمر بقية، وما دام في القلم مداد، وما دام في العلم بابٌ يمكن أن يُفتح لخدمة العدالة.
فالتاريخ لا تحفظه المقاعد التي جلس عليها الرجال، بل تحفظه الآثار التي تركوها بعد قيامهم عنها. والأجيال لا تسأل كم طال بقاء المسؤول في منصبه، وإنما تسأل: ماذا صنع للعلم؟ وماذا قدّم للعدل؟ وكم بابًا فتح أمام الحق؟
لقد رحل رجالٌ من صفحات التاريخ، لكن آثارهم بقيت تتحدث عنهم؛ وسيأتي يومٌ ينظر فيه اللاحقون إلى صفحات حاضرنا، فيجدون أسماء رجالٍ مضوا، ورجالٍ ما زالوا قائمين، لأنهم جعلوا من المسؤولية رسالة، ومن العلم أمانة، ومن العدالة عهدًا لا يسقط بانتهاء المنصب.
وهنا، يا سيدي، تكمن الحكاية التي أريد أن أكتبها: حكاية العلم حين يجد من ينصفه، وحكاية المنصب حين يتواضع أمام المعرفة، وحكاية الرجال الذين يدركون أن أعظم ما يتركونه وراءهم ليس الكرسي الذي شغلوه، بل النور الذي أشعلوه في طريق الآخرين.