لم يعد التضامن العربي كما عرفناه، بل تحول من مبدأ مقدس إلى شعار أجوف نردده في المناسبات.
في البداية كان التضامن فعلاً لا قولاً. يوم النكبة 1948 هب العرب بجيوشهم وشعوبهم دفاعاً عن فلسطين. وفي 1956 وقفت كل العواصم العربية مع القاهرة ضد العدوان الثلاثي، وفي 1973 بلغ التضامن ذروته عندما استخدم الملك فيصل رحمه الله سلاح النفط، وقال قولته الشهيرة: عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود إليه، دفاعاً عن كرامة الأمة.
من هناك بدأ الانحدار.
جاء كامب ديفيد ليكسر الإجماع العربي، ثم جاءت حرب الخليج الأولى لتقسم العرب بين طهران وبغداد، وكانت الضربة القاضية هي غزو الكويت عام 1990. في ذلك اليوم لم تسقط مدينة عربية فقط، بل سقطت فكرة الأخوة العربية نفسها. كيف نتحدث عن تضامن وأخٌ يحتل بيت أخيه ويسرق ماله ويسبي أهله؟
هذا الشرخ فتح كل الأبواب المغلقة:
دخل الأمريكي للعراق وسلمه لإيران على طبق من ذهب، فتمددت طهران من بيروت إلى صنعاء إلى بغداد، وتجرأت إسرائيل فحولت غزة إلى مقبرة مفتوحة أمام صمت عربي مخزٍ.
واليوم، ماذا نرى؟
اليمن يقاتل وحده نيابة عن أمن البحر الأحمر وباب المندب، والسودان يذبح ولا أحد يسمع، وسوريا وليبيا أصبحتا ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، وجامعة الدول العربية لا تملك إلا بيانات الشجب والقلق.
الحقيقة المرة: لم تعد لدينا جامعة عربية، لدينا مفرقون عرب.
المصالح القطرية الضيقة قتلت المصلحة القومية، والمحاور الإقليمية (محور إيراني ومحور صهيوني ومحور تركي) أصبحت أقوى من المحور العربي نفسه.
التضامن لا يعود بالخطب، بل بقرار سياسي شجاع يعيد تعريف من هو العدو ومن هو الأخ. وإذا لم نستيقظ اليوم، فغداً لن نجد حتى وطناً نتضامن من أجله.