آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-09:26ص

تعز.. الصخرة التي تكسرت عليها أوهام الإمامة: دروس في الصمود وإسقاط الأسطورة

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 12:45 ص
عبدالله علي محمد علي


بقلم / عبدالله علي محمد علي

حين تتأمل جغرافية الصراع في اليمن، وتغوص في تفاصيل المواجهة المصيرية ضد مشروع الإمامة الحوثية، تبرز تعز كمعلم وطني فريد ومحطة تاريخية ألهمت الأمة. لم تكن تعز مجرد مدينة تواجه عدواناً عابراً، بل كانت مختبراً حقيقياً انصهرت فيه دروس الصمود، وتجلت على أرضها السقوط المدوي لأسطورة "الجماعة التي لا تقهر". لقد علمتنا تعز، بدموع شهدائها وعزم أحرارها، كيف يتحول الألم إلى طاقة، وكيف تتهاوى أوهام الهيمنة أمام إرادة لا تعرف الانكسار.

أولاً: خرافة "البعبع الحوثي".. سقوط الأسطورة وانتفاشة التلاشي

طويلاً روجت آلة الحوثي الإعلامية لفرية القوة المطلقة، مستندة إلى هالة من الخرافة والاستعراض المضلل. لكن تعز، بوقفتها الصلبة، مزقت هذا الغطاء الزائف وأثبتت بالدليل القاطع أن تلك الانتفاشة لم تكن سوى فقاعة هواء.

أسطورة الهزيمة المستحيلة: أثبتت المعارك على مشارف تعز أن الحوثي ليس قدرًا محتومًا، وأنه قابل للانكسار والتراجع كأي تنظيم مليشياوي يعتمد على الترهيب.

النمر الورقي: تعز اليوم تدفن المشروع الفارسي على عتباتها، لتكشف للعالم أجمع حقيقة المليشيا بوصفها "نمرًا من ورق" يرتجف أمام وعي وبسالة الأحرار.

ثانياً: سر الصمود.. إرادة صلبة وتلاحم الجبهة الداخلية

حين يُكتب تاريخ هذه المرحلة، ستتوقف الأجيال طويلاً أمام معجزة الصمود التعزي، ذلك الصمود الذي لم يكن وليد المصادفة، بل كان ثمرة وعي استثنائي وتكاتف مجتمعي وفريد:

بدائية السلاح مقابل صلابة الإرادة: واجه أبناء تعز ترسانة من الأسلحة الثقيلة والنوعية بأسلحة متواضعة وبدائية، لكنهم عوضوا كل نقص بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين.

وحدة الصف والقرار: تمثلت أهم عوامل صمود جبهة تعز في تلاحم الجبهة الداخلية، ووحدة القرار والهدف والمصير، وتكامل القيادة، والتعالي المسؤول فوق الرغبات الضيقة والمصالح الشخصية والحزبية؛ إذ أدرك الجميع أن تعز هي "حزبنا الكبير"، وأن الدفاع عنها واجب يقع على عاتق الكل دون استثناء.

ثنائية الحق والباطل: جسدت تعز حقيقة أن المعركة ليست مجرد توازن عسكري، بل هي معركة وجود وقضية عادلة تثبت دائماً أن الجهل لا يهزم العلم، والخرافة لا تهزم الحقيقة، والمليشيات لا تهزم الدولة، والتخلف لا يهزم التقدم والتطور.

ثالثاً: ثغرات الخصوم.. كيف يقتات الحوثي على خلافاتنا؟

لا يمكن قراءة المشهد الميداني بتجرد دون الاعتراف بالدروس المؤلمة التي فرضتها جغرافيا الصراع. إن بقاء الحوثي وتمدده في مراحل معينة لم يكن دليلاً على عبقرية عسكرية، بل كان انعكاساً لمواطن الضعف في صفوف الخصوم:

تغذية الخلافات: يقتات المشروع الحوثي تماماً على شق صف رفاق السلاح وتعدد الأجندة والمصالح الضيقة.

سلاح الخيانة والمال المدنس: أثبت الواقع أن الخيانة، والعمالة، والمال المدنس، وتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة هي العوامل الرئيسية لكل هزيمة وفشل. لم يسيطر الحوثي على منطقة إلا بتلك الثغرات والأسباب. وهنا يبرز الدرس الأهم: أن وحدة الصف والهدف والمصير هي السلاح الأقوى لقصم ظهر المليشيا.

أخيرا: الموعد مع النصر

تعز اليوم لا تدافع عن جغرافيتها وحدها، بل تحرس هوية اليمن الجمهورية ومشروعه الحضاري. لقد رسمت هذه المدينة بمداد الصبر والتضحيات خريطة الطريق نحو الخلاص؛ طريق يبدأ بنبذ الفرقة، ورص الصفوف، والانتصار للوطن فوق كل اعتبار. إن دروس تعز باقية وخالدة: حيث تتحد الإرادات، يتهاوى المستحيل، ويندحر الطغاة إلى غير رجعة.