آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-09:26ص

الميثاق القبلي في جنيف.. صناعة السلام أم شرعنة النفوذ؟

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 12:31 ص
صديق الطيار



في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه مؤسسات الدولة، وتعددت مراكز النفوذ المسلح والاجتماعي، يثير تدشين ما يسمى «ميثاق الشرف القبلي اليمني»، في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية، تساؤلات تتجاوز أهدافه المعلنة، لتضع جدوى المبادرة وطبيعة المشاركين فيها أمام اختبار حقيقي: هل تمثل خطوة نحو حماية المدنيين وصناعة السلام، أم أنها تعيد تقديم مراكز النفوذ التقليدية تحت عناوين إنسانية؟


المبادرة التي نظمها مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن «ديكاف»، بمشاركة نحو 100 شيخ ووجاهة قبلية، تستهدف تعزيز دور القبيلة في حماية المدنيين، والحد من النزاعات، وترسيخ التعايش، وصون النسيج الاجتماعي. وتتضمن بنودها حماية الأسرى والمنشآت المدنية ودور العبادة، وتفعيل الوساطات القبلية لتسوية الخلافات.


وهي أهداف لا خلاف على أهميتها، لكن الإشكالية تكمن في الفجوة بين المبادئ المعلنة والواقع اليمني، حيث لا تعاني البلاد نقصاً في الأعراف والمواثيق، بقدر ما تعاني انهيار مؤسسات الدولة، وغياب المساءلة، وتغول القوى المسلحة التي فرضت سلطتها خارج إطار القانون.


من يمثل القبيلة؟


تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في معايير اختيار المشاركين ومدى تمثيلهم الحقيقي لمجتمعاتهم. فحمل صفة الشيخ أو الوجيه لا يمنح صاحبها تلقائياً حق التحدث باسم قبيلة بأكملها، فضلاً عن تمثيل مجتمع يمني متعدد التوجهات والمواقف.


كما أن إعادة تقديم بعض القيادات التقليدية في منصات دولية، دون مراجعة أدوارها خلال سنوات الحرب أو تقييم استقلاليتها وعلاقتها بمراكز النفوذ، تفتح باب التساؤل بشأن احتمال إعادة تدوير شخصيات ارتبط بعضها بإضعاف مؤسسات الدولة وتكريس الولاءات الضيقة.


ولا يعني ذلك تحميل القبيلة مسؤولية جماعية، فهي مكون اجتماعي أصيل، وقد تباينت مواقف أبنائها بين مقاومة المليشيات والخضوع لنفوذها والحفاظ على المصالح في مناطق الصراع. لكن من الضروري التمييز بين القبيلة بوصفها مجتمعاً، وبعض الوجاهات التي لا يعكس نفوذها بالضرورة إرادة ذلك المجتمع.


المبادرات وأولويات المعاناة


ويمتد الجدل إلى أولويات الإنفاق على الفعاليات الخارجية، في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات الإنسانية، ويواجه النازحون والمتضررون في تعز والساحل الغربي وعدن ولحج ظروفاً معيشية قاسية.


وهنا يبرز سؤال جوهري أمام الجهات المنظمة والمانحة: ما العائد العملي الذي سيحصل عليه المواطن من هذه المبادرات؟ وكيف يمكن قياس نتائجها على الأرض؟ فالمشكلة ليست في انعقاد المؤتمرات خارج اليمن، وإنما في مدى ارتباط أنشطتها باحتياجات المجتمع، وشفافية الإنفاق، ووجود نتائج قابلة للقياس.


الدولة ليست بديلاً عن القبيلة


لا يمكن إنكار الدور التاريخي للقبيلة اليمنية في إصلاح ذات البين واحتواء النزاعات وحماية المستجيرين، لكن هذا الدور يجب أن يظل مكملاً لمؤسسات الدولة، لا بديلاً عنها أو سلطة موازية للقانون.


فحماية المدنيين مسؤولية قانونية تقع على عاتق أطراف النزاع، وتتطلب دولة قادرة، وقضاءً مستقلاً، وأجهزة أمنية مهنية، ومؤسسات تضمن الحقوق والمساءلة، بعيداً عن سطوة السلاح والنفوذ.


وفي المحصلة، لا يقاس نجاح ميثاق جنيف بعدد المشاركين أو التوقيعات، ولا بالمكانة الدولية للمنصة التي احتضنته، وإنما بقدرته على إحداث تغيير حقيقي، وامتلاك آليات واضحة للتنفيذ والرقابة والمحاسبة.


فجنيف تستطيع أن تستضيف المؤتمرات، لكنها لا تستطيع أن تصنع دولة نيابة عن اليمنيين، والقبيلة مهما بلغ ثقلها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الوطن ومؤسساته.


اليمن لا يحتاج إلى إعادة تدوير أدوات الأزمة تحت عناوين السلام، بل إلى تفكيك أسبابها، واستعادة الدولة، وإخضاع الجميع لسلطة القانون. فالدولة التي تحمي مواطنيها بالعدل والمواطنة المتساوية هي أساس السلام، وما عدا ذلك قد يظل مجرد مواثيق على الورق، عاجزة عن تغيير واقع اليمنيين.