آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-09:26ص

حين تصبح أصوات العرب تهمة: الوجه الآخر للديمقراطية الإسرائيلية

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 10:47 م
علوي سلمان


قراءة في حدود المشاركة السياسية لفلسطينيي الداخل ومخاوف اليمين من صناديق الاقتراع

ليست الديمقراطية مجرد صندوق يُلقى فيه الناخب ورقته، ولا انتخابات تُعلن نتائجها ثم تُرفع شعارات احترام الإرادة الشعبية. فالمعيار الحقيقي لأي نظام يدّعي الديمقراطية هو قدرته على قبول نتائج الاقتراع، حتى عندما تأتي بما لا تشتهيه القوى الحاكمة، ومدى استعداده للاعتراف بحق جميع المواطنين في المشاركة والتأثير وصناعة القرار، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الهوية القومية.

من هذا المنظور، تبدو التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو وأطراف من اليمين الإسرائيلي بشأن مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات، وتصوير أصواتهم باعتبارها خطرًا على الدولة، أبعد من أن تكون مجرد سجال انتخابي عابر. إنها تكشف عن إشكالية عميقة في مفهوم المواطنة داخل إسرائيل، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود الديمقراطية التي يُسمح للفلسطينيين داخل الخط الأخضر بممارستها.

فإذا كان المواطن العربي يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويشارك في الانتخابات وفق القواعد القانونية المعمول بها، فما الذي يجعل صوته مشروعًا عندما يكون هامشيًا، ومثيرًا للذعر عندما يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة؟ ولماذا يصبح الفائز العربي، الذي وصل إلى البرلمان عبر الآليات الانتخابية ذاتها التي أوصلت غيره، موضع اتهام وتشكيك عندما تقترب كتلته من التأثير في موازين السلطة؟

المشكلة ليست في صندوق الاقتراع، بل فيمن يملك حق التأثير في نتائجه.

ديمقراطية تقبل المشاركة وتخشى نتائجها

على مدى سنوات طويلة، حرصت إسرائيل على تقديم نفسها بوصفها نموذجًا ديمقراطيًا في منطقة تعاني أزمات سياسية وصراعات ممتدة. واستند هذا الخطاب إلى وجود انتخابات دورية، وأحزاب متنافسة، وبرلمان متعدد التيارات، ومؤسسات تمارس أدوارًا تشريعية وسياسية.

لكن الاختبار الأصعب لا يأتي عندما تتوافق نتائج الانتخابات مع رغبات أصحاب السلطة، بل عندما تفرز أصوات الناخبين قوى لا يرغبون في رؤيتها شريكًا في الحكم أو طرفًا قادرًا على التأثير في القرار.

هنا تتكشف المفارقة: تُمنح المشاركة السياسية غطاءً من الشرعية ما دامت لا تمس جوهر احتكار السلطة، لكن عندما تتقدم الأحزاب العربية أو تتعاظم قدرتها على ترجيح كفة ائتلاف على آخر، تتصاعد حملات التخويف والتشكيك، ويُعاد تقديم حضورها السياسي باعتباره تهديدًا أمنيًا أو خطرًا على هوية الدولة.

وهكذا يتحول الخلاف من منافسة بين برامج سياسية إلى نزاع حول حق فئة من المواطنين في أن تكون أصواتها ذات قيمة فعلية.

إن الديمقراطية التي لا تحتمل وصول المختلفين إلى مواقع التأثير ليست ديمقراطية مكتملة المعنى؛ لأن الانتخابات، في جوهرها، ليست وسيلة لتجديد شرعية السلطة فحسب، وإنما آلية تتيح للمجتمع إعادة توزيع القوة السياسية وفق إرادة الناخبين.

عندما يصبح الفوز العربي مصدر قلق

لا تكمن المفارقة في أن تختلف الأحزاب العربية مع الأحزاب الصهيونية أو اليمينية بشأن مستقبل الدولة أو سياساتها، فالتنافس والاختلاف أمران طبيعيان في الحياة السياسية. إنما تكمن المفارقة في تحويل هذا الاختلاف إلى ذريعة للطعن في مشروعية المشاركة العربية نفسها.

فعندما يُقدَّم التصويت العربي باعتباره محاولة للاستيلاء على الدولة، أو تُربط المشاركة السياسية الجماعية للمواطنين العرب تلقائيًا بالتهديد الأمني، فإن الخطاب يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية إلى التشكيك في أهلية هؤلاء المواطنين للمشاركة المتساوية في الشأن العام.

وفي مثل هذه الأجواء، يصبح النائب العربي مطالبًا بإثبات ولائه قبل أن يُسمح له بممارسة دوره السياسي، بينما لا يُفرض الاختبار ذاته بالضرورة على غيره من النواب. وتغدو هويته القومية مادة للتشكيك، بدلًا من أن يكون أداؤه البرلماني وبرنامجه السياسي هما أساس التقييم والمحاسبة.

والأخطر أن هذا الخطاب يهيئ المجال لتطبيع الإقصاء، بحيث يُنظر إلى تمثيل المواطنين العرب بوصفه مشكلة ينبغي احتواؤها، لا حقًا سياسيًا ينبغي احترامه.

وقد تصل المفارقة إلى حد البحث عن ترتيبات وتحالفات سياسية غايتها الأساسية منع خصم معين من الاستفادة من نتائج الانتخابات، حتى عندما تكون تلك النتائج تعبيرًا عن إرادة الناخبين. وعندها يصبح السؤال: هل تُشكَّل التحالفات لخدمة برنامج سياسي واضح، أم لتطويق قوة انتخابية لأن هويتها لا تحظى بالقبول لدى مراكز النفوذ؟

من الديمقراطية العرقية إلى احتكار تعريف الدولة

تقدم العلوم السياسية مفاهيم متعددة لتحليل الأنظمة التي تجمع بين الانتخابات والمؤسسات التمثيلية من جهة، وامتيازات قومية أو عرقية غير متكافئة من جهة أخرى. ومن أبرز هذه المفاهيم «الديمقراطية الإثنية» أو «الديمقراطية العرقية»، إلى جانب مفهوم «الإثنوقراطية»، الذي يُستخدم لتحليل أنماط الحكم التي تتمحور فيها السلطة حول جماعة إثنية أو قومية مهيمنة.

وتساعد هذه المفاهيم على فهم التناقض بين وجود آليات انتخابية تسمح بالمشاركة، وبين بنية سياسية وقانونية قد تحد من قدرة بعض المواطنين على التأثير المتكافئ في تعريف الدولة وتوجهاتها.

وفي الحالة الإسرائيلية، يتجلى جانب مهم من هذا التناقض في قانون أساس: إسرائيل – دولة القومية للشعب اليهودي، الذي أقره الكنيست عام 2018. فقد نص القانون على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي، وهو ما أثار انتقادات واسعة بسبب ما يعكسه من تفاوت في الاعتراف بالمكانة القومية للمواطنين العرب الفلسطينيين.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى غياب دستور إسرائيلي موحد ومدون في وثيقة واحدة، واعتماد النظام الدستوري على مجموعة من قوانين الأساس. فالقضية هنا لا تتعلق بوجود قانون منفرد فحسب، بل بما يثيره من تساؤلات عن العلاقة بين الهوية القومية للدولة، ومبدأ المساواة بين المواطنين، وحدود المشاركة السياسية المتاحة لهم.

فكيف يمكن الحديث عن مواطنة متكافئة إذا كانت الدولة تمنح أولوية دستورية لهوية قومية واحدة، بينما تضم بين مواطنيها جماعة فلسطينية لها هويتها الوطنية وحقوقها المدنية والسياسية؟

إن جوهر الاختبار الديمقراطي لا يتمثل في السماح للأقليات بالتصويت وحده، وإنما في الاعتراف بحقها في التعبير عن مصالحها، وتشكيل أحزابها، والوصول إلى مواقع التأثير، والمطالبة بتغيير السياسات العامة، دون أن تتحول هويتها إلى سبب للانتقاص من شرعيتها السياسية.

فلسطينيّو الداخل: معركة البقاء والمشاركة

لا يمكن فهم الدور السياسي لفلسطينيي الداخل بمعزل عن تاريخهم، وعن ارتباطهم بأرضهم، وعن التجربة الطويلة التي عاشوها بعد قيام إسرائيل عام 1948. فقد بقي جزء من الشعب الفلسطيني داخل الأراضي التي أصبحت ضمن حدود الدولة الإسرائيلية، محتفظًا بهويته الوطنية والاجتماعية، ومواجهًا تحولات سياسية وقانونية واقتصادية عميقة.

ومنذ ذلك الحين، لم تكن قضية هؤلاء الفلسطينيين مجرد قضية أقلية سكانية تسعى إلى تحسين الخدمات أو زيادة التمثيل البرلماني، بل ظلت مرتبطة بأسئلة الهوية والانتماء والمساواة والحقوق الجماعية والفردية.

ومن هنا، تكتسب مشاركتهم السياسية أهمية تتجاوز عدد المقاعد التي يحصلون عليها في الكنيست. فهي تتيح لهم نقل قضاياهم إلى المؤسسات الرسمية، ومساءلة الحكومات، ومقاومة السياسات التمييزية، والدفاع عن حقوقهم في الأرض والمسكن والتعليم والعمل واللغة والهوية.

ومع ذلك، ينبغي ألا يُختزل تأثيرهم في العمل البرلماني وحده، كما لا يصح قياس قيمة صمود شعب أو عدالة قضيته بمقارنة الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بأولئك الذين هُجّروا منها. فلكل تجربة تاريخية ظروفها وتضحياتها، وتبقى معاناة التهجير وفقدان الوطن جزءًا من القضية الفلسطينية، مثلما يمثل التمسك بالأرض والهوية شكلًا من أشكال الصمود.

إن بقاء الفلسطينيين في الداخل ومشاركتهم في الحياة السياسية لا يعنيان انتهاء التحديات التي يواجهونها، ولكنهما يؤكدان أن الهوية لا تُمحى بمجرد فرض واقع سياسي جديد، وأن المطالبة بالمساواة والحقوق تظل قائمة مهما ضاقت مساحات المشاركة.

هل تكفي الانتخابات لصناعة الديمقراطية؟

تُظهر التجربة أن إجراء الانتخابات، مهما كان منتظمًا، لا يكفي وحده للحكم على ديمقراطية أي نظام. فهناك فارق جوهري بين السماح للمواطنين بالإدلاء بأصواتهم، وبين ضمان قدرتهم على تحويل تلك الأصوات إلى تمثيل مؤثر، وسياسات قابلة للتغيير، وشراكة سياسية لا تخضع لمعايير الهوية القومية أو الدينية.

ولا تعني الديمقراطية أن تتولى كل جماعة الحكم، أو أن تُفرض على الأحزاب المتنافسة تحالفات لا ترغب فيها. فمن حق الأحزاب أن تختار شركاءها وفق برامجها ومواقفها. لكن هذا الحق لا يبرر نزع الشرعية عن الناخبين أنفسهم، ولا تحويل انتماءاتهم القومية إلى تهمة، ولا تصوير مشاركتهم السياسية بوصفها اعتداءً على الدولة لمجرد أنها تمنحهم نفوذًا انتخابيًا.

فالتمييز واضح بين رفض حزب بسبب برنامجه أو مواقفه، وبين رفضه لأن قاعدته الانتخابية تنتمي إلى جماعة قومية معينة. الأول يدخل في نطاق التنافس السياسي المشروع، أما الثاني فيفتح الباب أمام التمييز والإقصاء.

ومن هنا، فإن المعضلة الأساسية التي تواجه الديمقراطية الإسرائيلية ليست مجرد خلاف على مقاعد برلمانية أو حسابات ائتلافية، بل هي خلاف على معنى المواطنة ذاتها: هل تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، أم تتدرج فيها الحقوق السياسية بحسب موقع الفرد من الهوية القومية التي تتبناها الدولة؟

الخلاصة: لا ديمقراطية بصوت ناقص

إن قيمة الديمقراطية لا تُقاس بما تقوله الحكومات عن نفسها، ولا بما تعرضه من صور الانتخابات والبرلمانات أمام العالم، وإنما بما تتيحه فعليًا لجميع مواطنيها من فرص متساوية للمشاركة والتأثير والمساءلة.

وإذا كان صوت المواطن العربي مقبولًا عندما لا يغيّر موازين القوى، ثم يصبح موضع تخوين واتهام عندما يكتسب وزنًا سياسيًا، فإن ذلك يكشف عن خلل لا يمكن معالجته بالشعارات وحدها.

فالديمقراطية ليست امتيازًا تمنحه الأغلبية لمن تشاء، ولا منحة قابلة للسحب عندما تظهر نتائج الصناديق غير المرغوبة. إنها التزام بالمساواة السياسية، وقبول بالتعددية، واحترام لحق المواطنين في اختيار ممثليهم، حتى عندما تختلف اختياراتهم مع توجهات الحكومة أو القوى المهيمنة.

أما الفلسطينيون في الداخل، فليسوا مجرد أرقام في جداول الانتخابات، ولا أدوات لتجميل صورة الدولة أمام العالم؛ إنهم مواطنون لهم حقوقهم ومصالحهم وهويتهم، ومن حقهم أن يطالبوا بالمساواة وأن يشاركوا في تحديد مستقبلهم.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي لا تستطيع الشعارات أن تحجبه: إذا كانت الدولة واثقة من ديمقراطيتها، فلماذا يصبح الصوت العربي مصدر قلق عندما يقترب من مركز القرار؟

إن الاختبار الحقيقي للديمقراطية ليس أن تسمح للناس بالتصويت فحسب، بل أن تحترم حقهم في أن يكون لصوتهم أثر. فحين يُقبل صوت الناخب بشرط ألا يغيّر شيئًا، تتحول الانتخابات من تعبير عن الإرادة الشعبية إلى ممارسة شكلية تخفي وراءها صراعًا على من يحق له أن يحكم ومن يُراد له أن يبقى خارج دائرة التأثير.