آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-09:26ص

صرخة من قاع الخذلان: اليمن حين يصبح "البقاء على قيد الحياة" إنجازاً!

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 09:51 م
محمد ناجي


بعيداً عن البيانات السياسية المنمقة، وخارج حسابات الربح والخسارة على خارطة النفوذ العسكري، تدور في أزقة اليمن وبيوته حرب أخرى صامتة، لكنها الأكثر ضراوة؛ حرب يخوضها الإنسان اليمني الأعزل كل صباح، لا ليبحث عن رفاهية أو مستقبل، بل لينتزع حق عائلته في البقاء على قيد الحياة يوماً إضافياً واحداً. لقد تحول المواطن اليمني، الصبور بطبعه، إلى الضحية الأكبر والمنسي الأبرز في معادلة صراع عبثي مزق الوطن وجزأ الجغرافيا وعطل الحياة.


إن الانقسام الذي تعيشه البلاد اليوم لم يعد مجرد خطوط تماس على الخرائط العسكرية، بل هو جرح غائر في جسد المجتمع اليمني ونسيجه الأسري. الطرقات المغلقة بين المحافظات والمدن المحاصرة تحولت إلى جدران إسمنتية نفسية واجتماعية؛ قطّعت أواصر القربى، وشتتت شمل العائلات، وجعلت من زيارة قريب في مدينة مجاورة رحلة نزوح شاقة ومحفوفة بالمخاطر. يواجه المسافر اليمني في وطنه مشاق السفر وكأنه يعب

ر حدوداً دولية، حيث يدفع كبار السن والمرضى والنساء كلفة هذا التشظي من صحتهم وأعصابهم وكرامتهم.


ومع الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، تحولت الحياة اليومية إلى طاحونة تلتهم الأمل. الأسعار الجنونية التي تقفز بمتوالية هندسية، مقابل انعدام الدخل وانقطاع الرواتب، دفعت بملايين الأسر العفيفة والطبقة المتوسطة -التي كانت صمام أمان المجتمع- إلى قاع العوز والحاجة. أصبح رب الأسرة يقف عاجزاً مكسور العين أمام متطلبات أطفاله الأساسية، وبات تأمين "قرص الخبز" أو جرعة دواء لمريض يمثل هماً ثقيلاً يقض مضاجع الآباء، في مشهد يدمي القلوب ويعكس ذروة القهر والخذلان الإنساني.


إن الأخطر من جوع البطون هو "جوع الأرواح" وتفكك البنية الاجتماعية. نحن نشهد اليوم جيلاً كاملاً من الأطفال يتسربون من مقاعد الدراسة ليتحولوا إلى أيدي عاملة في الشوارع والأسواق لمساعدة عائلاتهم، ونشهد تصاعداً مخيفاً في معدلات الإحباط والأمراض النفسية التي بدأت تلتهم البيوت الهادئة نتيجة الضغوط المعيشية الهائلة. لقد تحول الإنسان اليمني بفعل هذا الواقع المرير من كائن منتج، طموح، ومعطاء، إلى مجرد رقم في كشوفات المنظمات الإغاثية، ينتظر "سلة غذائية" تسد رمقه وتذكره دائماً بمدى قسوة الظرف الذي وُضع فيه قسراً.


المرعب حقاً ليس شح الموارد، بل هو ذلك الصمت ال

إقليمي والدولي والتغافل المحلي عن روح الإنسان اليمني التي تُسحق وتُهدر كل يوم. إن القوى المتناحرة في الداخل مطالبة اليوم، قبل أي وقت مضى، بوقفة ضمير شجاعة وصادقة. إن إنقاذ ما تبقى من كرامة هذا الشعب يبدأ فوراً وبلا قيود من: فتح كافة الطرقات المغلقة، تحييد لقمة عيش المواطن ورواتب الموظفين عن التجاذبات السياسية، ووقف الجبايات والقيود التي تزيد من خنق المجتمع.


إن التاريخ لن يغفر لمن تمترس خلف المكاسب السياسية على حساب شعب يتضور جوعاً وقهراً، ولن تبنى الأوطان فوق أنقاض إنسان مكسور ومغلوب على أمره. لقد آن الأوان لتتوقف لغة المدافع وتلتفت كل العقول والضمائر نحو هذا المواطن المجهد؛ فالإنسان هو الوطن، وإذا سقط الإنسان، فلا قيمة لجغرافيا تُحكم، ولا لانتصار يُدعى.