آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-09:26ص

حين تتكلم الصواريخ، تتراجع فرص السلام، وحين تتجاوز نيران الحرب حدود اليمن، يصبح أمن المنطقة بأكملها على المحك.

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 07:25 م
محمد خالد الحسيني


وبين استهداف عدن، وتهديد العمق السعودي، وتصاعد الغارات على الجبهات اليمنية، تتسع دائرة المواجهة فيما تحاول الدبلوماسية احتواء حريق لم تعد حدوده محلية، ولا باتت كلفة انفجاره قابلة للاحتواء بسهولة.

لم يعد ما يجري في اليمن مجرد حرب تتبادل فيها الأطراف الضربات، بل تصعيد يتدحرج من جبهات القتال إلى المنشآت الحيوية، ومن الحسابات العسكرية المحلية إلى معادلات الأمن الإقليمي.

فالصواريخ لم تعد أدوات عسكرية فحسب، بل باتت تختبر حدود الردع، وتضغط على القرار السياسي، وتضع الدبلوماسية أمام سباق مع اتساع المواجهة.

والأخطر أن كل جولة تفتح الباب أمام أخرى أشد منها: هجمات تستدعي ردوداً، وغارات توسع نطاق الاستهداف، ومنشآت حيوية تدخل دائرة الخطر، فيما تتحرك العواصم الإقليمية والدولية لاحتواء أزمة تتسع ميدانياً بوتيرة أسرع من تقدم جهود تسويتها.

وفي تقديري، لم يعد السؤال ما إذا كان التصعيد اليمني قد تجاوز حدوده المحلية، بل إلى أي مدى يمكن أن يتمدد قبل أن تفقد الأطراف القدرة على ضبط إيقاعه.

فحين تتزامن الجبهات المشتعلة مع استهداف المنشآت الحيوية والهجمات العابرة للحدود، يصبح فصل الأزمة اليمنية عن المشهد الإقليمي أمراً بالغ الصعوبة.

نحن أمام مشهد تتقدم فيه الصواريخ لفرض وقائع جديدة، بينما تحاول الدبلوماسية منع تحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، قد تتجاوز كلفتها حسابات من أشعلوا فتيلها وتدفع الشعوب ثمنها.

على الأرض، تتحدث التقارير عن احتدام المعارك في جنوب تعز وجنوبها الغربي، وضربات استهدفت تجمعات حوثية في جبهة المضاربة شمال غربي لحج، وغارات طالت مواقع في المخا وذو باب وعمران والجوف وصنعاء.

كما أعلنت مصادر عسكرية تنفيذ عمليات واسعة وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالحوثيين، وهي حصائل تحتاج إلى تحقق مستقل.

وفي نظري، لا تكمن دلالة هذه التطورات في كثافة النيران وحدها، بل في تعدد الجبهات وتزامن العمليات واتساع نطاق المواجهة.

فالميدان أصبح مساحة لمحاولة تغيير موازين الضغط قبل أي تفاهمات سياسية محتملة، غير أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن وحدها مكاسب سياسية مستدامة، خصوصاً حين تتسع الخسائر الإنسانية وتتراجع فرص التسوية.

ويزداد المشهد خطورة مع استهداف مطار عدن الدولي بالصواريخ الباليستية، وما أُعلن عن أضرار في المدرج وإصابات بين المدنيين، قبل استئناف الملاحة الجوية.

فالمطار ليس منشأة خدمية عادية، بل شريان حيوي لحركة المواطنين والاتصالات الخارجية والنشاط الاقتصادي والإنساني.

واستهدافه ينقل آثار الحرب من خطوط القتال إلى قلب الحياة المدنية، ويضع استقرار المدينة ومصالح سكانها في دائرة التهديد.

وفي اعتقادي، فإن تكرار استهداف المنشآت الحيوية، متى ثبتت تفاصيله، يكشف عن مستوى بالغ الخطورة من التصعيد، يجعل حماية المدنيين واستمرار الخدمات ضرورة لا تحتمل التأجيل.

وتبلغ المواجهة مستوى أكثر حساسية مع إعلان اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية السعودية، في سياق تقارير عن هجمات طالت منشآت ومواقع حيوية داخل المملكة.

هنا ينتقل التصعيد من الجبهات اليمنية إلى معادلات الأمن الإقليمي، بما تحمله من مخاطر على الطاقة والتجارة والملاحة.

وأخطر ما في هذا المسار احتمال تشكل حلقة متصاعدة من الهجمات والردود: ضربة تستدعي رداً، والرد يفتح الباب أمام تصعيد مقابل، فيما تتسع دائرة الأهداف ويضيق هامش الخطأ.

ولا يعني ذلك أن المواجهة الإقليمية الشاملة حتمية، لكنه يجعل منعها مسؤولية عاجلة،

وفي المقابل، يجب أن تظل العمليات العسكرية مقيدة بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

وقد تحدثت مصادر حوثية عن سقوط ضحايا مدنيين جراء غارات في مقبنة والبرح، وهي تقارير تستوجب التحقق والتحقيق المستقل، أياً كانت الجهة المسؤولة.

وسط هذا التصعيد، تكتسب التحركات المصرية التركية ضمن التنسيق الرباعي الذي يضم السعودية وباكستان، إلى جانب اتصالات الحكومة اليمنية بالأمم المتحدة والأطراف الدولية وجهود المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، أهمية استثنائية.

لكن قيمة هذه التحركات لا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرتها على التأثير في الميدان.

فالمفارقة أن كل موجة تصعيد تزيد الحاجة إلى الدبلوماسية، لكنها تجعل نجاحها أكثر صعوبة، إذ تعمق انعدام الثقة وتدفع الأطراف إلى التشدد، وقد تحول التفاوض إلى سباق لانتزاع المكاسب بالقوة بدلاً من البحث عن تسوية مستدامة.

لذلك، ينبغي تحويل الاتصالات إلى التزامات عملية تشمل حماية المنشآت المدنية، والحد من الهجمات العابرة للحدود، والتحقق من الالتزامات، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وتثبيت خطوات متبادلة لخفض التصعيد.

كما يجب ألا تنحصر الأولويات الدولية في أمن البحر الأحمر والمصالح الإقليمية، بل أن تشمل أمن اليمنيين واستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الحرب.

إن انتقال التصعيد من الجبهات اليمنية إلى عدن، ثم إلى العمق السعودي، واتساع الغارات وتعدد ساحات المواجهة، يكشف عن أزمة تتجاوز حدود الاشتباك المحلي.

وفي تقديري، لا يكمن الخطر في كل ضربة منفردة، بل في تراكم الضربات والردود حتى يصبح احتواء المواجهة أصعب من منع اتساعها.

فحين تتجاوز الصواريخ الجبهات إلى المدن، ثم تعبر الحدود، وترد الغارات على ساحات متعددة، لا يعود السؤال كم ضربة نُفذت، بل إلى أي مدى يمكن أن تتسع الحرب قبل أن تنجح الدبلوماسية في وقفها.

اليمن ليس هامشاً في أمن المنطقة، وعدن ليست تفصيلاً في حسابات الحرب؛ والاختبار الحقيقي هو منع التصعيد من التحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وإثبات أن السياسة لا تزال قادرة على كبح السلاح قبل أن يفرض السلاح شروطه على الجميع.