آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-02:33ص

القصة الكاملة لدولة إسرائيل: من الأسطورة الدينية إلى هندسة القرار المغلق.

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 06:03 م
د.باسم المذحجي


هل ما زلتم تقعون في فخ الديمقراطية الإسرائيلية؟

ما يجري في إسرائيل ليس نتاج صناديق اقتراع ولا تداول سلطة كما تروّج البروباغندا الغربية. ما يظهر في الكنيست هو مسرحية محسومة سلفًا، أما القرار الحقيقي فيُصنع في غرف مغلقة لا يدخلها الناخب ولا يراها الإعلام.

لفهم إسرائيل، يجب أن نفهم تركيبتها البشرية أولاً.

أولاً: إسرائيل كمشروع تجميع لا كشعب.

إسرائيل لم تقم على شعب واحد، بل على عمليات تجميع ممنهجة لمجموعات اعتنقت اليهودية سياسيًا أو مصلحيًا، واستُخدمت لسد الفراغ الديموغرافي:

* بني منشيه - الهند: قبائل في مانيبور وميزورام، كانت وثنية ثم مسيحية، وفي الخمسينيات أعلن زعيم محلي رؤيا بأنه من سبط منشيه المفقود. تبنتهم منظمات استيطانية ونقلت الآلاف منهم لإسرائيل لزيادة العدد.

* مملكة الخزر - القوقاز: في عام 740م قرر خاقان الخزر اعتناق اليهودية ليكون محايدًا بين بيزنطة المسيحية والخلافة العباسية. هذه هي الكتلة الأساسية التي شكّلت لاحقًا يهود الأشكناز في شرق أوروبا.

* السوبوتنيكيين - روسيا: فلاحون روس انشقوا عن الكنيسة الأرثوذكسية أواخر القرن 18 وتبنوا السبت والشريعة اليهودية هروبًا من اضطهاد الكنيسة، ثم يهودوا بالكامل.

* الفلاش مورا - إثيوبيا: بيتا إسرائيل الذين تحولوا للمسيحية طوعًا وقسرًا، ثم أعيد تأهيلهم دينيًا للعودة لليهودية بهدف الهجرة.

* المستوطنون الجدد: هم الخلاصة الأخطر. مرتزقة يتم جلبهم تحت مظلة لاهوتية مصطنعة. خلفيات بعضهم صادمة بكل المقاييس ولا تمت لليهودية بصلة، بل هم صهاينة وظيفيون.

الخلاصة: العرب هم اليهود الأصل تاريخيًا، واليهودي الحقيقي هو المتدين الذي يرى في الإسلام والمسيحية امتداداً مكملاً، أما هؤلاء فهم أدوات مشروع.

ثانيًا: وهم الديمقراطية الإسرائيلية.

الانتخابات الإسرائيلية بروباغندا موجهة للخارج. مهمتها إظهار إسرائيل كواحة ديمقراطية، بينما القرار السيادي لا يخضع للتصويت.

معادلة صنع القرار الحقيقية تقوم على ثلاثة أضلاع: الأيديولوجيا الصهيونية، متطلبات الأمن القومي، والبراغماتية الاستعمارية.

الأهداف المعلنة للاستهلاك الإعلامي:

* حماية الدولة اليهودية والديمقراطية كملاذ ليهود العالم.

* التفوق العسكري والأمني.

* توسيع اتفاقيات أبراهام والتطبيع.

* تحويل إسرائيل لأمة ستارت أب.

الأهداف غير المعلنة التي تُنفذ كأمر واقع:

* منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة: لا دولة بين النهر والبحر، فقط حكم ذاتي مجزأ ومعازل.

* الهيمنة الديموغرافية: تشجيع هجرة يهود العالم مقابل خنق النمو الفلسطيني في القدس والمنطقة ج.

* عقيدة الغموض النووي وبيغن: احتكار السلاح النووي وتدمير أي مشروع نووي عربي فورًا فمابالك بالإيراني.

* إدارة الصراع لا حله: استراتيجية قص العشب - عمليات دورية لإنهاك الخصم بدلاً من تقديم تنازل تاريخي.

* التبعية الأمريكية المشروطة: إبقاء أمريكا كضامن أمني مع التحكم بها عبر أيباك واللوبيات.

ثالثًا: من يصنع القرار فعلاً؟ المطبخ المغلق.

القرار ليس بيد رئيس الوزراء. القرار بيد مثلث مقدس:

* المؤسسة الأمنية (البيطاحونيستيم): الجيش وأمان والموساد والشاباك. هم من يملكون المعلومة ويفرضون رؤيتهم على السياسي.

* المجتمعات الدينية والاستيطانية: تحول المستوطنون من هامش إلى شريك حاكم يملك حق إسقاط أي حكومة لا تلبي التوسع.

* مراكز الفكر والضغط واللوبيات: مجلس الأمن القومي واللوبيات المحلية والعالمية التي توجه الاستراتيجية بعيدًا عن ضجيج الكنيست.

رابعًا: ملف يهود اليمن - الدليل الأخطر على عنصرية المشروع.

يهود اليمن هم أقدم وأعرق جماعة يهودية معزولة. دراسات DNA تثبت عزلتهم الحادة ونقاء سلالتهم الشرق أوسطية (هابلوغروب J) وارتباطهم بهجرات الهيكل الأول والثاني واختلاطهم بالحميريين زمن الملك ذي نواس.

عند نقل 50 ألف منهم في عملية بساط الريح 1948-1950:

* استقبلتهم النخبة الأشكنازية بعنصرية ووصفتهم بالمتخلفين.

* جريمة الأطفال المختطفين: مئات وربما آلاف الرضع اختفوا من المخيمات والمستشفيات، قيل لأهلهم ماتوا، بينما تم بيعهم لعائلات أشكنازية نجت من المحرقة. الحكومة اعترفت ودفعت تعويضات في 2021 لكنها وصمة عار لم تمحَ.

اليوم تحول يهود اليمن من مهمشين إلى رقم صعب:

* هم الخزان الانتخابي لليمين والليكود، انتقامًا من اضطهاد حزب المباي اليساري لهم.

* هم من صبغوا الثقافة والجيش والموساد بالهوية الشرقية.

* لا تستطيع أي حكومة اتخاذ قرار مصيري دون مراعاة هذه الكتلة الراديكالية السرية الخطيرة.

خاتمة: الحكاية وضحت

إسرائيل ليست دولة ديمقراطية تبحث عن سلام، بل مشروع استعماري يدير الصراع، يمنع الدولة الفلسطينية، يحافظ على تفوقه النووي، ويستخدم اليهود الشرقيين واليمنيين كوقود انتخابي وعسكري بينما تحتكر النخبة الأشكنازية القرار العميق.

هذه هي القصة الكاملة باختصار.

باحث استراتيجي يمني.