مثلت حوطة العبادل في عقود ماقبل الثورة من القرن المنصرم مركز إشعاع تنويري ، في كثير من المجالات ، أهمها ؛ المجال العلمي ، والمجال الزراعي ، والمجال الفني ، والمجال الرياضي ، وغيرها . وبرزت في ذلك الزمن مدينة الحوطة ، عاصمة سياسية واقتصادية وعلمية وأدبية وفنية ورياضية ، بل نستطيع القول إن من الحوطة كانت تدار شؤون المواطنين القاطنين في حاضرتي لحج وعدن وضواحيهما . أما من قام بهذه النهضة فهم سلاطين لحج ؛ إذ ابتعثوا الطلاب إلى مصر والشام والعراق ، واستقدموا الأساتذة المؤهلين ، وأرباب العلم من هذه الأقطار وغيرها إلى حوطة لحج (المحروسة) ، وقربوا الأدباء ، كالشعراء والكتاب والمطربين والملحنين ، واستبقوا جزيرة العرب قاطبة في راهننا المعاصر ، بتدوين الدساتير ، والعمل بالقوانين ، وحيادية القضاء ، وفي الجانب الرياضي ؛ أنشأوا ملاعب الكرة ، وأوجدوا الأندية الرياضية ، ابتداء من عام 1905م .
أما الجانب الزراعي فلنا معه شأن آخر ؛ إذ كان الفضل الحقيقي فيه للأمير أحمد فضل العبدلي ، الذي عرف كثيرا بلقبه (القمندان) . نستعرض شيئا يسيرا مما قدمه الأمير أحمد فضل العبدلي للزراعة ، التي هي عصب الاقتصاد في ذلك الزمن ؛ إذ استحضر غرائب أشجار الفاكهة من بلاد الهند والسند ، ومن بلاد الشام ، وغيرها من البلدان ، التي لم يكن يعرفها المزارع اليمني في ذلك الحين ، أما الأشجار ذات الرائحة العطرة ، والورود النضرة ، فحدث ولا حرج عنها ؛ إذ جعل من بساتين لحج ، وحقولها الزراعية ، مساحات واسعة ، تتباهى فيها الأزهار المتعددة ، والورود المختلفة ، بألوانها الساحرة ، وأشكالها الباهرة ، وروائحها الطيبة ، لاسيما في الليالي المقمرة ، عندما يهب النسيم البارد العليل ، مخمورا بتلك الروائح العطرة ، روائح الفل والكاذي والياسمين والبشام والخوع والحبق والريحان وغيرها ، فيتشبث بها ويحملها إلى الحوطة ، مركز الفن والجمال ، ومن الحوطة توزع - عبر الأثير- على ضواحي لحج وعدن ، فتجعل الشيخ المسن ، يحن لماضيه ، ويتمنى العودة إلى شبابه وفتوته ، والطفل يستعجل سن المراهقة والوصول إلى عنفوان الشباب . ولم يغفل الأمير عن أشجار الزينة وإظهار مفاتن الفن والجمال ؛ إذ ملأ بها منازل لحج ، وحدائقها ، وطرقاتها .
وكذلك صرف الأمير جل اهتمامه ؛ لزراعة الحبوب ، كالقمح ، والذرة بأنواعها ، والسمسم ، والقطن ، وكلما يفيد الإنسان والحيوان . وقبل هذا وذاك ، استصلح قنوات الري ، والترع ، والسواقي ، ما خلق شبكة ري متميزة ، الأمر الذي جعله يصنع واحة زراعية فيحاء ، وجنة مدلهمة غناء ، من جنان الله في الأرض ، وكان قلب هذه الجنة الزراعية النابض ، ما سماه (بستان الحسيني) .
حقا لقد كان الأمير أحمد فضل العبدلي ، مهندسا زراعيا بارعا ، وخبيرا اقتصاديا ناجحا ، كذلك كان شاعرا مبدعا ، وملحنا متميزا ، ومؤلفا مقتدرا ، فضلا عن تأسيسه لمدرسة الفن والغناء اللحجي .
الأمير أحمد فضل العبدلي ، لم يعط حقه ، أو شيئا منه ، من الدارسين والباحثين في الماضي ، لأسباب أهمها ؛ تأثر نظام الحكم في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم بالأيدلوجية الماركسية ، وتطبيق النظرية الشرقية ، ما جعل النظام آنذاك يبطش بالسلاطين والأمراء ، والمشائخ والعلماء ، والتجار والأثرياء ، بل وينكل بهم أيما تنكيل ، فضلا عن حقده على تأريخهم ، والعمل على طمس محاسن حقبة حكمهم .
أما اليوم فقد انبرى كثير من الدارسين والباحثين للخوض في حياة الأمير أحمد فضل العبدلي الفنية والغنائية والأدبية ، لكنهم نسوا أو تناسوا ما قدم الأمير في الجوانب الزراعية ، وما يعني ذلك في الأمور الاقتصادية .