آخر تحديث :الثلاثاء-27 أكتوبر 2026-11:19ص

إنكار البُعد العقدي لمشروع الحوثي… هل هو جهل أم هروب من الحقيقة؟

الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 06:50 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


ليست المشكلة أن يختلف اليمنيون في السياسة، ولا أن تتباين تقديراتهم بشأن الحرب والسلام....فذلك من طبيعة الحياة السياسية.


لكن المشكلة الحقيقية أن يبلغ الخلاف ببعضهم حدَّ إنكار الحقائق المعلنة، وأن يتحول الهروب من مواجهة الواقع إلى خطاب يتدثر بالحكمة والحياد، بينما تتقدم الوقائع لتقول شيئًا آخر.


أيُّ عمىً سياسي هذا الذي يجعل بعضهم ينكر البُعد الديني والعقدي في مشروع الحوثي، رغم وضوح خطابه العلني وتوظيفه للمرجعية الدينية في التعبئة والحشد وتبرير أحقيته بالسلطة؟


إن جماعة الحوثي لا تقدم نفسها بوصفها مجرد طرف سياسي ينافس على مقاعد الحكم...

بل تستند إلى خطاب ديني خاص، وتصورات عقدية تتصل بالولاية والشرعية السياسية.

وهنا يبرز السؤال الذي يتعمد بعضهم القفز فوقه:

إذا كان الخطاب العقدي حاضرًا في التعبئة، وفي تحديد الولاءات، وفي تقديم المبررات السياسية....

فبأي منطق يُراد إقناع الناس بأن ما يجري مجرد صراع على المناصب والمصالح، لا علاقة له بالأفكار والتصورات الدينية التي يستند إليها أحد أطرافه؟


إن إنكار هذا البُعد لا يغيّر الواقع، بل يعطّل القدرة على فهمه.

ومن السذاجة السياسية أن نختزل المشروع الحوثي في جانبه العسكري وحده، أو أن نتجاهل مرجعياته الفكرية وخطابه المعلن، ثم نتساءل عن سر قدرته على تعبئة الأنصار وتوجيههم.


أما الذين يصرّون على أن الحرب لا تحمل أي بُعد عقدي ...

فهل قرأوا خطاب الحوثيين فعلًا، أم أنهم قرروا ألّا يروا إلا ما يريح مواقفهم؟


إن الأخطر من وجود مشروع سياسي يوظف العقيدة هو أن يتولى بعض خصومه إنكار هذه الحقيقة....

وكأن تجاهل الفكرة يسقط أثرها، أو كأن إغماض العين عن الخطاب العقدي يجعله غير موجود.


ومع ذلك :

فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين وجود بُعد عقدي واضح في خطاب الجماعة، وبين اختزال الحرب اليمنية كلها في صراع ديني خالص...


ثم تأتي المفارقة الأكثر إيلامًا: الحوثي يحشد أنصاره بخطاب يربط السياسة بالهوية والمرجعية الدينية، فيما ينشغل بعض المحسوبين على المعسكر المناهض للانقلاب بإقناع الناس بأن المعركة لا تعنيهم، أو بأنها مجرد فتنة ينبغي اعتزالها، أو نزاع على الكراسي لا يستحق موقفًا وطنيًا واضحًا!


فيا لها من مفارقة فادحة:

طرفٌ يوظف كل أدوات التعبئة لخدمة مشروعه، وأصواتٌ في الجهة المقابلة تتولى عن قصد أو عن قصور في القراءة، تجريد المواجهة من أحد أهم أبعادها، ثم تتحدث عن ضرورة فهم الواقع!


وهنا لا بد من قولها بوضوح:

نقد الشرعية واجب حين تخطئ، ومحاسبة الفاسدين ضرورة، ورفض الحرب موقف مشروع...

لكن تحويل هذه المبادئ إلى ستار لإنكار طبيعة المشروع الحوثي أو تجاهل خطابه العقدي ليس تحليلًا سياسيًا رصينًا، بل تهرّب من مواجهة الحقيقية المعلنة.


إنٌ الحقائق لا تُهزم بإنكارها، والوعي لا يُبنى بتجميل الواقع، والخصم لا يُفهم بالتغاضي عن أفكاره المعلنة.


ومن أراد إنهاء الأزمة اليمنية....

فعليه أن يرى المشهد كاملًا، وأن يواجه التوظيف السياسي للعقيدة بوعي ومسؤولية، وأن يقدم مشروعًا وطنيًا جامعًا يحمي الدولة وحقوق المواطنين...

لا أن ينتقي من الواقع ما يبرر تردده ثم يسمي ذلك حكمةً وحيادًا.