آخر تحديث :الثلاثاء-27 أكتوبر 2026-11:07ص

تعز والجنوب.. معارك الكرامة تعيد رسم العلاقة وتبدد خلافات السياسة

الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 12:16 ص
صديق الطيار



ما تشهده مدينة تعز من مواجهات مع مليشيا الحوثي الإرهابية، وما يبديه أبناؤها من صمود في الدفاع عن مدينتهم وكرامتهم، يتجاوز حدود المعركة العسكرية، ليحمل دلالات اجتماعية وسياسية وعقائدية تعيد فتح أبواب التقارب بين أبناء تعز والجنوب.


لقد أثبتت المواجهات الأخيرة، وما رافقها من محاولات حوثية للتقدم نحو المدينة، أن تعز ليست أرضاً سهلة الإخضاع، وأن أبناءها الذين خبروا سنوات الحرب والحصار يمتلكون من الإرادة ما يجعلهم قادرين على مواجهة محاولات كسر إرادتهم. وفي مواجهة تلك المحاولات قدم أبناء تعز نموذجاً يحتذى في الصمود والتضحية، وأوقعوا خسائر فادحة في صفوف المليشيات الحوثية.


ولا يمكن قراءة هذه المواجهات بمعزل عن المعاناة الطويلة التي عاشها أبناء تعز جراء الحصار الذي فرضته مليشيا الحوثي الإجرامية على المدينة، وما ترتب عليه من صعوبات إنسانية ومعيشية، فضلاً عن سنوات الخوف والنزوح وفقدان الأحبة. ومع ذلك ظل أبناء تعز متمسكين بحقهم في الحياة والحرية، ورافضين إخضاع مدينتهم بالقوة، في مشهد عزز تقدير قطاعات واسعة من أبناء الجنوب لصمودهم وتضحياتهم.


هنا تحديداً تبرز أهمية ما يجري في تعز، ليس بوصفه تحولاً عسكرياً فحسب، بل باعتباره فرصة لاستعادة الثقة بين مجتمعين تجمعهما روابط الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والمصير، وإن اختلفت مواقف بعض مكوناتهما السياسية.


فالعلاقة بين أبناء الجنوب وأبناء تعز لم تكن دائماً بمنأى عن التوتر. وقد أسهمت الخلافات بشأن مستقبل الدولة، ولا سيما موقف أبناء الجنوب من استعادة دولتهم، في اتساع فجوة سياسية مع أطراف في تعز تمسكت بمشروع الوحدة اليمنية، ورأت فيه إطاراً وطنياً ينبغي الحفاظ عليه. ومع مرور الوقت، تجاوزت بعض الخلافات حدود النقاش السياسي، وانعكست على نظرة فئات من الطرفين إلى بعضها بعضاً.


لكن التجارب القاسية تضع المجتمعات أحياناً أمام حقائق أكثر عمقاً من الشعارات. فحين يتعرض الإنسان للخطر، ويدافع عن أرضه وكرامته وحقه في الحياة، تصبح تضحياته أبلغ من كثير من الخلافات السياسية. وهذا ما يجعل صمود تعز فرصة لإعادة النظر في الصور النمطية المتبادلة، وإدراك أن الاختلاف حول شكل الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين الشعوب، أو سبب للتنكر لمعاناة الآخرين وتضحياتهم.


وفي المقابل، فإن تقدير أبناء الجنوب لصمود تعز لا يعني بالضرورة تطابق المواقف السياسية، كما أن تمسك أبناء تعز بالوحدة لا ينتقص من حق الجنوبيين في التعبير عن تطلعاتهم السياسية. فالمسألة الأهم هي القدرة على إدارة الاختلاف بالحوار والاحترام المتبادل، بعيداً عن التخوين والمزايدات ومحاولات استثمار الخلافات لمصلحة أطراف تسعى إلى إضعاف الجميع.


إن مواجهة المشروع الحوثي، بما يحمله من تهديد للأمن والاستقرار وحق المجتمعات في تقرير مستقبلها، تفرض على مختلف القوى والمكونات إدراك أهمية التضامن، من دون أن يكون ذلك مشروطاً بالتطابق في الرؤى السياسية. فالتعايش بين المختلفين لا يبدأ بإلغاء اختلافاتهم، بل بالاعتراف بها، والبحث عن مساحات مشتركة تحمي الإنسان وتصون كرامته وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً.


تعز والجنوب بحاجة اليوم إلى ما هو أبعد من التعاطف العابر. إنهما بحاجة إلى بناء جسور ثقة دائمة، تستند إلى الاحترام المتبادل والاعتراف بالتضحيات، وتفصل بين الخلاف السياسي والروابط الإنسانية والوطنية.


فقد تتباين الرؤى بشأن شكل الدولة، لكن ذلك لا يلغي حق تعز في الأمن والحرية، ولا حق أبناء الجنوب في التعبير عن تطلعاتهم. وبين هذين الحقين مساحة واسعة يمكن أن يلتقي فيها الجميع على رفض العنف، ومقاومة محاولات الإخضاع، وصون كرامة الإنسان.


إن صمود تعز اليوم ليس مجرد حكاية بطولة في ميدان القتال، بل فرصة لبناء علاقة أكثر نضجاً بين أبناء تعز والجنوب. علاقة لا تقوم على تطابق المواقف، وإنما على فهم متبادل يحترم الاختلاف، ويمنع الخلافات السياسية من التحول إلى عداوات اجتماعية.


فالشعوب التي تتعلم من جراحها تستطيع أن تجعل من المحن جسوراً للتقارب، ومن التضحيات بداية لمرحلة جديدة عنوانها الاحترام المتبادل، والتمسك بالكرامة، والإيمان بأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون طريقاً إلى الفرقة، بل مدخلاً لحوار أكثر مسؤولية وإنصافاً.