آخر تحديث :الثلاثاء-27 أكتوبر 2026-11:07ص

حين تطول الحرب... وتتآكل الضمائر

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 11:30 م
عبدالناصر صالح ثابت


ما عادَ يؤلمُنا خرابُ الديارِ وحدَه،

بل أن نرى القلوبَ أطلالًا بلا جدران.

يا يمنُ، إن انتهتْ حروبُ البنادقِ يومًا،

فمَن يُنهي حروبَ النفوسِ ويُحيي الضمائر؟

تغيّرتِ الوجوهُ وما تغيّرَ وجعُنا،

حتى غدا الوفاءُ غريبًا في وطنِ الأحرار.

كلما طال أمد الحرب في اليمن، ازدادت الأوراق اختلاطًا، وتشابكت المصالح، واتسعت دوائر الصراع، حتى لم يعد الخراب مقتصرًا على الأرض والمباني، بل امتدّ إلى النفوس، وتسلّل إلى القيم، وعبث بما تبقّى من ضمائر الناس.

لقد طالت الحرب حتى تبدّلت المواقف، واختلطت المبادئ بالمصالح. فمن الناس من غيّرته الحاجة، ومنهم من كسرته المعاناة، ومنهم من باع قناعاته في سوق المصالح، ومنهم من ظلّ متمسّكًا بكرامته ومبادئه رغم قسوة الحياة. فأين الحكمة اليمانية التي طالما كانت عنوانًا لأهل اليمن، وقد غابت ملامحها وسط ضجيج الصراع، حتى أصبح صوت المصلحة أعلى من صوت العقل؟

أنهكت الحرب اقتصاد الوطن، واستنزفت موارده، وأطاحت بمقوّمات الحياة الكريمة، حتى هوت بأسرٍ كانت تعيش في عزّةٍ وستر إلى دركات الحاجة والهوان. بيوتٌ كانت عامرةً بالعطاء فأثقلها العوز، ونفوسٌ كانت تأبى السؤال فأجبرتها قسوة الظروف على تجرّع مرارة الاحتياج والانكسار.

ولم تكتفِ الحرب بذلك، بل بعثرت أبناء اليمن في المنافي، وتركتهم بين وجع التشرّد، ومرارة الاغتراب، وهوان الحاجة على نفوسٍ لم تألف الانكسار. حتى أصبح اليمني غريبًا في وطنه، ومثقلًا بالحنين خارجه، يحمل وطنه في قلبه، ويبحث في أرض الغربة عن حياةٍ تحفظ كرامته.

والأشدّ وجعًا أن الحرب لم تسرق أعمار اليمنيين وأحلامهم فحسب، بل امتدّت إلى صفاء أرواحهم، فأضعفت الثقة، وباعدت بين القلوب، حتى بات القريب يخشى قريبه، والصديق يشكّ في صديقه، وكأن الحرب لم تفرّق بين المدن والقرى وحدها، بل فرّقت بين النفوس أيضًا.

ولم يعد السؤال الأكثر إيلامًا: متى تنتهي الحرب؟ بل ماذا سيتبقّى من الإنسان اليمني حين تنتهي؟ فقد أصبح الفقر وجعًا، وغياب الرحمة وجعًا أشدّ، وتحوّلت سنوات المعاناة إلى جراحٍ صامتة لا تظهر على الوجوه، لكنها تسكن أعماق القلوب.

فالمباني يمكن أن تُرمَّم، والطرق يمكن أن تُصلَح، ولكن من يُرمّم ضميرًا تهدّم؟ ومن يعيد ثقةً انكسرت؟ ومن يردّ إلى القلوب صفاءها بعد سنواتٍ من الخوف والحاجة والخذلان؟

ومع كل هذا الوجع، لا يزال في اليمن من لم تُغيّره المصالح، ولم تكسره المحن، ولم تفقده الأيام العصيبة إنسانيته. أولئك الذين ظلّوا أوفياء لقيمهم رغم قسوة الحياة، يحملون في قلوبهم ما تبقّى من وجه اليمن السعيد.

وما أقسى أن يعود إلينا الوطن يومًا، ولا يعود إلينا الإنسان الذي كنّا نعرفه!