يجادل هذا العمل بأن الضربات الأمريكية القادمة في اليمن 2026/2027، بقيادة قاذفات B-2 Spirit المحملة بقنابل GBU-57A/B الخارقة للتحصينات (14 طن) من قاعدة دييغو غارسيا، ومقاتلات F-35C المزودة بقنابل StormBreaker GBU-53/B من حاملة الطائرات هاري ترومان، ليست عمليات تكتيكية لمكافحة الإرهاب، بل أول توقيع لما يمكن تسميته يالطا 2.0. بالاستناد إلى نظرية انتقال القوة لأورجينسكي (1958) ومصيدة ثوسيديدس لأليسون، يتتبع هذا العمل الاستمرارية التاريخية من مؤتمر يالطا (4-11 فبراير 1945، قصر ليفاديا) إلى أزمة البحر الأحمر الراهنة. ويقدم العمل إطارا استراتيجيا جديدا لليمن: استراتيجية التحالف الوظيفي مع القوى الكبرى Super/Great Power Alliance Strategy، للانتقال من دولة حاجز Buffer State إلى دولة ممر Corridor State.
أولا: المقدمة - الإشكالية:
هل يشهد النظام الدولي يالطا جديدة؟ وكيف تندرج حملة ترامب في البحر الأحمر القادمة ضمن مساومة كبرى بين واشنطن وموسكو وبكين حول مقايضة أوكرانيا-القرم باليمن؟
ثانيا: الإطار النظري:
* منظومة يالطا 1945: لم تكن سلاما بل تقسيم غنائم. التقسيم السري لمنشوريا للسوفيت مهد لصعود ماو، ولقاء كوينسي (14 فبراير 1945) على البارجة كوينسي بين روزفلت والملك عبد العزيز أسس لشراكة النفط مقابل الأمن.
* نظرية انتقال القوة Power Transition Theory: حسب أورجينسكي وكوغلر، النظام مستقر بوجود مهيمن راض، وحرب كبرى عندما تقترب قوة صاعدة غير راضية من المهيمن وتصل إلى 80% من قوته. انطباقها اليوم: قدرة الحوثي غير المتماثلة بصاروخ 10 آلاف دولار عطلت تجارة بتريليون جنيه استرليني، وبلغت نقطة التكافؤ في البحر الأحمر.
* عقدة القرم-أنطاليا: القرم (26 ألف كم²، سيمفروبول، سيفاستوبول) وأنطاليا رئتا النفوذ الروسي-التركي. من يسيطر على القرم يتحكم بالبحر الأسود، ومن يتحكم بأنطاليا يتحكم بشرق المتوسط.
ثالثا: التحليل - يالطا 2.0
أ. السلاح كعقيدة: الانتقال من الردع المحدود إلى الردع الشامل:
* GBU-57: إلغاء حصانة الجبال (نقم، عطان، كتاف).
* StormBreaker بمدى 111 كم: إلغاء حصانة القيادات المتحركة في كل الظروف الجوية.
* F-35C: أول وتالي استخدام قتالي في اليمن.
ب. الصفقة المقترحة: في 1945 قسمت أوروبا وسلمت منشوريا. في 2026 المقترح: البحر الأحمر بحيرة أمريكية-سعودية تدار من قاعدة الأمير سلطان في الخرج، مقابل اعتراف ضمني بالقرم روسيا وشرق أوكرانيا منطقة عازلة.
رابعا: التسلسل التاريخي لانعكاسات يالطا على الشرق الأوسط:
(1945-1956) أفول بريطانيا وفرنسا، لقاء كوينسي، قيام إسرائيل.
(1956-1979) العدوان الثلاثي، النكسة 1967، أكتوبر 1973، كامب ديفيد 1978.
(1979-2003) الثورة الإيرانية، الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت، غزو العراق.
(2011-2023) الربيع العربي، صعود داعش، اتفاقيات أبراهام.
(2023-2026) طوفان الأقصى، حرب غزة ولبنان والمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، والحاجة لنظام استقرار جديد.
خامسا: استراتيجية اليمن - من التحوط إلى تحالف القوى الكبرى:
فشلت استراتيجية اليمن للتحوط 60 سنة، وفشل نموذج التحالف التابع Bandwagoning الحوثي مع محور إيران-روسيا-الصين لأنه حول اليمن إلى ورقة مقايضة.
النموذج المقترح: تحالف المصالح المتقاطعة:
* مع أمريكا - تحالف أمني بحري: اليمن يقدم 2500 كم ساحل، جزر سقطرى وميون وزقر، وشرعية دولية. المقابل: اعتراف بأن أمن البحر الأحمر يبدأ من تحرير صنعاء من ميليشيا الحوثي.
* مع الصين - تحالف اقتصادي لوجستي: اليمن يقدم منطقة حرة في عدن والمخا كتوأم استراتيجي لقناة السويس ضمن الحزام والطريق. الصين تريد طيران/شحن مستقر لا ميليشيا تعطل الملاحة.
* مع روسيا - تحالف توازن: اعتراف يمني بمصالح روسيا في البحر الأسود مقابل اعتراف روسي بوحدة اليمن.
* مع السعودية ومصر - تحالف العمق الاستراتيجي: قاعدة الخرج قلب يالطا 2.
المعادلة المقترحة: لا نبيع الموقع، نؤجر الوظيفة. نؤجر للأمريكان وظيفة الأمن، وللصينيين وظيفة التجارة، وللروس وظيفة التوازن، ونحتفظ بالسيادة. الانتقال من دولة حاجز إلى دولة ممر Corridor State.
سادسا: الخلاصة والتوصيات:
إذا كانت يالطا الأولى نتيجة انتقال القوة من لندن إلى واشنطن وموسكو، فإن يالطا الثانية هي محاولة واشنطن لمنع انتقال القوة البحرية إلى بكين وطهران. من لقاء كوينسي 1945 إلى ضربة البحر الأحمر 2026، الشرق الأوسط لم يكن خارج طاولة الكبار. يالطا الأولى صنعت شرق أوسط الحرب الباردة، ويالطا الثانية قد تصنع شرق أوسط بلا أنفاق ولا ميليشيات، إذا وإذا فقط أتقنت اليمن ممثلة بسلطتها الشرعية استراتيجية تحالف القوى الكبرى.
باحث استراتيجي يمني.