آخر تحديث :الثلاثاء-27 أكتوبر 2026-11:07ص

حين يحاصر الجهل نور التاريخ: تعز تدفع ثمن إنسانيتها

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 07:21 م
محمد ناجي


بين ركام الحاضر وأمجاد الماضي، تقف مدينة تعز اليمنية كشاهد حي على واحدة من أكبر مفارقات العصر الحديث، حيث يضرب الجهل حصاراً خانقاً على نور التاريخ، وتجد الحاضرة الثقافية الأولى لليمن نفسها مجبرة على دفع ثمن باهظ لتمسكها بقيمها الإنسانية والمدنية.


تعز، التي كانت عبر العصور منارة للعلم، والقلب النابض للثقافة، وعاصمة الدولة الرسولية التي شعّ منها نور المعرفة والطب والفلك، تعيش اليوم تحت وطأة حصار غاشم لا يستهدف فقط جغرافيتها وطرقها، بل يستهدف هويتها المدنية الضاربة في

عمق التاريخ. إنها المعركة الأزلية بين فكر يريد العودة بالبشرية إلى عصور الظلام، وبين مجتمع قاوم بندقيته بالكتاب، وصمد أمام قذائفه بوعيه المتجذر.


لم يكن حصار تعز مجرد إجراء عسكري لقطع الطرقات ومنع الغذاء والدواء عن ملايين المدنيين، بل هو في جوهره محاولة لتركيع العقل اليمني؛ فالجهل بطبيعته يخشى النور، وتعز تمثل ذلك النور بمدارسها، وجامعاتها، ونخبها المثقفة التي رفضت الانصياع لخرافات الحق الإلهي أو الولاءات الضيقة الممزقة لنسيج الوطن.


لقد دفعت هذه المدينة ثمناً باهظاً لإنسانيتها وتسامحها؛ ففي الوقت الذي فتحت فيه ذراعيها لكل أبناء الوطن واحتضنت التنوع والتعايش، قوبلت بإغلاق منافذ الحياة، وتحولت معابرها إلى مصايد للموت والاعتقال. ومع ذلك، تجلت عظمة هذه الحاضرة في قدرتها على تحويل الألم إلى أمل؛ فلم تتوقف مدارسها عن استقبال الطلاب رغم القصف، ولم تنطفئ جذوة الإبداع في منتدياتها الأدبية رغم شح الإمكانيات.


إن ما يسطره أبناء تعز اليوم هو ملحمة في الدفاع عن المكتسبات ال

إنسانية، وتأكيد على أن الهوية الثقافية الحية لا يمكن خنقها بحصار بري أو عزل جغرافي. إنها رسالة واضحة لكل قوى الظلامية بأن قلاع العلم لا تسقط أمام جحافل الجهل، وأن الشعوب التي تنفست الحرية والوعي لا يمكن إعادتها إلى حظيرة التبعية والتقديس الأعمى للأشخاص.


إن حصار تعز يضع الضمير الإنساني والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي؛ فالدفاع عن هذه المدينة ليس دفاعاً عن بقعة جغرافية فحسب، بل هو دفاع عن قيم التنوير، والمدنية، والإنسانية في وجه مشروع يقتات على الجهل والخراب. وستبقى تعز، كما كانت دائماً، عصية على الانكسار، يتدفق نور تاريخها ليمزق عتمة الحصار، معلنةً أن شمس المعرفة لا بد أن تشرق من جديد من قلب تعز لتضيء اليمن بأكمله.