بقلم: محمد عبدالله الموس
تنفرج اساريرنا حين يظهر أحد الرموز الجنوبية ليتحفنا بمقولة (ان الجنوب لكل وبكل ابناءه)، ذلك على الشاشات وفي التجمعات الاحتفالية، لكن بمجرد ان يختلي احدهم بشاشة الهاتف او الكمبيوتر حتى يمطرونا بسيل من المفردات التي يتم استدعاءها من حقب التكفير السياسي من قبيل المبنكسين والمقرطسين والطغمة والزمرة وعملاء الخارج والاخونج والسلفية وهات ولا تخجل، لدرجة ان تصيبك الحيرة، اين تجد مكانا للتصالح والتسامح واين تجد سوقا لمقولة (ان الجنوب لكل وبكل ابناءه) في هذا الضخ المنفلت، وهل يكذب الجنوبي على الجنوبي لمجرد ان يقلّب رزقه؟.
كنا ذات لقاء في منتدى المهندس بدر ناجي الذي كان يقام كل يوم جمعه، وذلك خلال بدايات الحراك الجنوبي حين كانت المنتديات تتسيد الساحة السياسية الجنوبية، كان المنتدى ملئ بعدد كبير من النخبة الجنوبية، يومذاك كان من ضمن الحضور الأستاذ عبدالواحد المرادي وكان يتحدث دفاعا عن الجنوب وعن عدن بقوة جعلت العم عبدالجبار الجبرة، وهو من شيوخ الحراك الجنوبي، يسأل الاستاذ المرادي، من اين انت يا ولدي؟ فتدخلت وسألت العم عبدالجبار، هل انت مستغرب ان واحد مرادي يدافع عن الجنوب بهذا الحماس، فقال، نعم يا ولدي.
لأن الشيء بالشيء يذكر فقد شاهدنا كيف ان نجم الكرة المصري محمد صلاح الذي انتقل مؤخرا الى نادي طرابزون التركي قد قلب المزاج النفسي في الشارع الرياضي التركي واصبح الرجل ايقونة تجاوزت مدينة طرابزون، ولم يسأل احد عن جنسية او لون او دين محمد صلاح بقدر اهتمامهم بالإضافة التي احدثها وجوده في حياتهم لدرجة ان مثقفيهم صاروا يتفاخرون بانهم امتلكوا محمد صلاح، وغالبا سينهي صلاح مشواره في الملاعب في تركيا عندما ينتهي عقده مع طرابزون فقد بلغ من العمر عتيا، وسيتحول عقده من لاعب الى ايقونة رياضية في مجال رياضي آخر.
ما نستشفه من واقعتي الاستاذ المرادي والنجم صلاح ان الانتماء يتجاوز محل الولادة واللون وحتى الديانة الى عشق الأرض والناس، فكم واحد رمى جواز سفره وتنازل عن جنسيته لمجرد ان وجد ارض عشقها وأناس احبهم واحبوه ولم ينكر عليه أحد انتمائه الجديد.
نذكر ذلك عندما نرى واقعنا الجنوبي غارق في التفاصيل، والاكثر مرارة عندما تجد النخبة السياسية تنجرف خلف الشارع ولا تعمل على ارشاده، وغني ان القول ان السياسي الذي يغرق في التفاصيل وتوافه الافعال يفقد القدرة على رسم استرتيجيا تنقذ وطن وتضعه في مكانه الصحيح حيث يتبادل المصالح مع باقي الاوطان.
نحن في الجنوب نعيش لحظة فارقه بين ان نتمسك بثقافة الصراع وبمفردات التكفير السياسي التي اوصلتنا الى ما نحن فيه، وبين ان نغادر هذه الثقافة الى ثقافة تبادل المصلحة بين اهل الجنوب ومع الاخرين وتلكم مسؤولية تتحملها النخبة السياسية الجنوبية كلها بدرجة اساسية، وتتحملها شريحة المثقفين وصنّاع الراي العام، فهل نلمس اختراقات تصنع تحول في النهج السياسي الجنوبي يجسد (ان الجنوب لكل وبكل ابناءه في الواقع) ويلحقنا بالركب؟.
عدن
٢٥ اكتوبر ٢٠٢٦م