تتكدس الأوراق فوق مكاتب الإدارات العمومية، وتطحن مكيفات الهواء الباردة ليالي الوزراء والمسؤولين، وتُهدر الملايين من خزينة الدولة بحثاً عن فتات يُطلقون عليه زوراً وبُهتاناً اسم «زيادة غلاء المعيشة». مهزلة إدارية واجتماعية خرجت بها مخاضات الاجتماعات الحكومية الطويلة لتمنح الموظفين نسبة بائسة لا تتجاوز العشرين في المائة، وتتضاءل حتى تصبح ثمناً بخساً لا يكفي رمقاً ولا يستر عاراً، بحسب الدرجات الوظيفية.
أي فرحة هذه التي يظنون أنهم أدخلوها إلى بيوت الموظفين المكلومين؟ وأي عون هذا الذي ينتظره شعب أنهكته رياح الفقر والخذلان؟ حين تتلاشى قيمة رواتب كبار الموظفين أمام الارتفاع الجنوني للأسعار، فما بالك بمن تفترس رواتبهم المتدنية أبسط مقومات العيش؟ بأي منطق يُقاس هذا العجز المخزي؟ وأي ضمير هذا الذي يقبل أن يُهدي المواطن سراباً في صفيح ساخن؟ صدق المثل الخالد: «إن لم تستحي فافعل ما شئت»؛ فقادة الصدفة في الفنادق الفارهة لا يشعرون بلهيب الجوع، ولا يدركون حجم القلق والتوتر الذي يعتصر قلوب الأسر وهي تواجه الموت بطيئاً.
تتعلل ما تُسمى بـ «الشرعية» بعجزها المزعوم الناتج عن الحرب، وكأن الحرب صك غفران للفساد والتقاعس. فأنتم تمثلون رأس هذه الشرعية، وأي عمل حربي أو وطني لا يمكن أن يصمد أو يرتكز على أرض صلبة دون حاضنة شعبية واعية ومخلصة، تحمي ظهر حكومة تخلص في عملها ليل نهار لانتشال الأوضاع من بئر العذاب.
إن واجب الشرعية الحقيقي يكمن في استثمار شرعيتها الدولية المزعومة للضغط على حلفائها والدول الداعمة، وتأمين أبسط حقوق هذا الشعب المطحون، لا الاستئثار بالمكتسبات. وحين يُخبروننا بأن «الدولة فقيرة»، تتكسر هذه الكذبة المفضوحة على صخرة الاستثمارات العقارية العملاقة التي ظهرت فجأة بعد الحرب، وتضخمت في حسابات قيادات كانت بالأمس القريب في قاع الاحتياج، فما بالكم برؤوس الأكل الكبيرة؟
في الطرف الآخر، يتركون الجندي المرابط في الخطوط الأمامية، الذي يجود بروحه ودمه في جبهات القتال، يتقاضى ملخصاً زهيداً لا يكفي حتى لتغطية تكاليف تنقله بين بيته وجبهته، فضلاً عن تأمين حياة كريمة لأطفاله. هؤلاء الجنود المنسيون هم، رغم قسوة حالهم، أفضل حالاً بمراحل من الموظف المدني الذي تحول إلى متسول في وطنه.
تتفاخر الحكومة اليوم بهذا الإنجاز الهزيل، بينما يصرخ الشعب بصوت واحد: نحن لا نريد نسبة عشرين في المائة تعجز عن شراء أبسط السلع، بل نريد وقفة وطنية مسؤولة وجادة تنتشله من غضبة الظروف وقسوة الحياة.
شعبنا العظيم عُرف بأنه من أقل شعوب الأرض استهلاكاً للطاقة والغذاء، ومع ذلك، فقد وصل إلى مرحلة عجز فيها المواطن عن زيارة الطبيب أو الصيدلية لشرح ألمه. لقد تحولت "البقالات" إلى صيدليات بديلة لبيع المسكنات وحبوب الباراسيتامول لمواجهة الصداع المزمن الناتج عن الهم والفقر. وفي الشوارع، تتوالى المآسي حتي بات الناس يسقطون ويموتون بصمت وهوان.
لقد أصبح الشعب في وادٍ غير ذي زرع مع دولته. نعم ، إنها شرعية منفصلة عن الواقع، لا تعرف من الوطن سوى أرقام غرف الفنادق الفاخرة التي أصبحت إنجازهم الأكبر والوحيد. وكل ما يخشونه هو أن يخطئ أحدهم باب غرفته الفارهة فيستيقظ ليواجه لوم أسياده.
بينما يعيش الشعب في قاع المعاناة والعذاب، ترتفع قصور السلطة وبحيراتهم الخضراء في وادٍ آخر، معزولين تماماً عن صرخات جياع الوطن...