آخر تحديث :الأحد-25 أكتوبر 2026-10:52ص

المعضلة الاستراتيجية في اليمن: من يملك استراتيجية النصر؟

السبت - 24 أكتوبر 2026 - الساعة 09:57 م
محمد خالد الحسيني


ليست أخطر هزائم الحروب تلك التي تُمنى بها الجيوش في ميادين القتال بل تلك التي تعجز فيها القوى عن تحويل ما تحققه من مكاسب عسكرية إلى نصر سياسي يغيّر واقع البلاد ويصنع مستقبلها

وفي اليمن حيث تتشابك الصواريخ والطائرات المسيّرة مع حسابات النفوذ الإقليمي وأمن الملاحة الدولية لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر بل من يمتلك استراتيجية النصر ومن يستطيع إنهاء الحرب بدلا من إطالة أمدها فبين تصعيد يستنزف الجميع وتسوية لا تعالج جذور الأزمة يقف اليمن أمام اختبار مصيري يتجاوز خطوط المواجهة إلى مستقبل الدولة وسيادتها وأمن المنطقة بأسرها

إن الأزمة اليمنية تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية لم تعد فيها المواجهة شأنا داخليا محصورا بحدود البلاد بل أصبحت جزءا من معادلة أمنية وسياسية أوسع تتصل بأمن المملكة العربية السعودية واستقرار المنطقة وسلامة الممرات البحرية الدولية

وفي ظل الهجمات الصاروخية والمسيّرة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية تبرز معضلة جوهرية هل تمتلك القوى اليمنية استراتيجية واضحة للنصر أم أنها لا تزال تدور في حلقة إدارة الصراع واستنزاف الخصوم دون أفق حاسم

إن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الحسم الاستراتيجي فعدد الضربات وحجم الخسائر المعلنة لا يكفيان للحكم على مسار الحرب

المعيار الحقيقي هو القدرة على إضعاف القدرات الهجومية للخصم واستعادة المواقع الاستراتيجية وتثبيتها وتأمين خطوط الإمداد ومنع إعادة تنظيم الصفوف وشن هجمات مضادة

والأهم من ذلك كله تحويل المكاسب الميدانية إلى واقع سياسي مستقر ومؤسسات دولة فاعلة قادرة على حماية المواطنين وصون السيادة

ومن هنا تكتسب جبهات تعز والساحل الغربي أهمية استراتيجية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي وصلتها بحركة القوات والإمدادات والممرات البحرية

غير أن التقدم العسكري مهما بلغت أهميته يظل مكسبا ناقصا ما لم تُضمن استدامته عبر إدارة فاعلة وإمداد مستقر وتنسيق عسكري وسياسي يمنع تبديد الإنجازات أو تحويلها إلى انتصارات مؤقتة سرعان ما تتلاشى أمام الانقسامات والاختلالات الداخلية

وهنا تكمن إحدى أكبر معضلات الحرب اليمنية القدرة على إلحاق الخسائر بالخصم ليست مرادفا للقدرة على إنهاء الصراع

فقد تحقق القوة مكاسب ميدانية واسعة لكنها تعجز عن استثمارها إذا غابت وحدة القرار وتضاربت الأولويات ولم تتوافر رؤية واضحة لشكل الدولة ومستقبلها

وعندئذ تتحول العمليات العسكرية إلى جولات متكررة من التصعيد والاستنزاف يدفع المواطن ثمنها بينما تبقى التساؤلات الجوهرية حول الحسم ومآلات الحرب بلا إجابات حاسمة

ولا يمكن فصل ذلك عن أمن المملكة العربية السعودية التي تفرض الهجمات الصاروخية والمسيّرة على أراضيها ومنشآتها الحيوية تحديات تتطلب حماية مستمرة واستجابة دفاعية فعالة

لكن النجاح لا يُقاس فقط باعتراض الهجمات وإنما أيضا بالقدرة على الحد من تكرارها واحتواء مخاطر التصعيد وتهيئة الظروف لاستقرار طويل الأمد

وهذا يستدعي تكامل الجهد الدفاعي مع مسار دبلوماسي يعالج أسباب التوتر ويحول دون اتساع دائرة المواجهة

وفي السياق ذاته يمثل باب المندب ورقة جغرافية بالغة الحساسية تتجاوز أهميتها اليمن والمنطقة إلى حركة التجارة والطاقة العالمية وأي تهديد مستمر للملاحة يرفع تكاليف النقل والتأمين ويهدد سلاسل الإمداد الدولية

لذلك فإن تحويل الممرات البحرية إلى أدوات للضغط العسكري لا يحقق استقرارا مستداما بل يوسّع دائرة الأزمة ويضاعف كلفتها فيما تقتضي المصلحة الاستراتيجية حماية الملاحة والمنشآت المدنية ومنع اتساع الصراع

ومع ذلك تبقى الجبهة الداخلية اليمنية العامل الأكثر حسما فالقوى المناهضة للحوثيين لن تحقق نصرا مستداما ما لم تتجاوز الانقسامات وتوحد القرار وتعزز مؤسسات الدولة

كما أن تحسين الخدمات وصرف الرواتب وتوفير الكهرباء والمياه وتخفيف المعاناة الإنسانية ليست قضايا مؤجلة إلى ما بعد الحرب بل ركائز أساسية لاستعادة ثقة المواطنين وبناء شرعية قادرة على الصمود

إن اليمن لا يحتاج إلى تصعيد مفتوح بلا أفق ولا إلى تسوية هشة تعيد إنتاج أسباب الحرب بل إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الضغط العسكري المنضبط ووحدة القوى الوطنية والدعم الإقليمي المسؤول والحل السياسي القادر على معالجة جذور الصراع

في المحصلة لا يُقاس النصر بما يُدمَّر من قدرات الخصم بل بما يُبنى بعد المعركة

فالنصر الحقيقي هو دولة تستعيد قرارها وتحمي مواطنيها وتصون سيادتها وتؤمّن محيطها وتمنع عودة الحرب بأسماء جديدة

أما دون ذلك فستظل الانتصارات الميدانية محطات عابرة في حرب مفتوحة يدفع اليمنيون ثمنها من أمنهم ومستقبل أجيالهم

وتلك هي المعضلة الاستراتيجية الكبرى ليس كيف تنتصر القوى اليمنية في معركة بل كيف تحوّل انتصارها إلى سلام مستدام ودولة لا تنهار مجددا عند أول اختبار.