آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:04م

21 أكتوبر عام 1967م اليوم الذي حاصر فيه مائة ألف شاب مبنى البنتاغون وحاولوا رفعه إلى السماء بالتأمل ...

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 12:16 م
أحمد سعيد العمودي


في تمام الساعة العاشرة صباحا من يوم السبت الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين كان الرئيس الأمريكي ليندون جونسون Lyndon Johnson جالسا في البيت الأبيض يراقب من التلفزيون مشهدا لم يحدث من قبل في تاريخ أمريكا فمائة ألف شاب وشابة من كل الولايات الأمريكية يزحفون من نصب لنكولن Lincoln Memorial نحو نهر بوتوماك Potomac River متجهين إلى أكثر مبنى محصن في العالم مبنى وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون Pentagon ليقولوا له أوقفوا حرب فيتنام Vietnam War


كانت حرب فيتنام في ذروتها ففي ذلك العام كان عدد الجنود الأمريكيين في فيتنام قد وصل إلى أربعمائة وستة وثمانين ألف جندي وكان عدد القتلى الأمريكيين قد وصل إلى خمسة عشر ألف قتيل في ذلك العام وحده وكانت الطائرات الأمريكية من نوع بي 52 B52 تلقي في كل شهر قنابل أكثر مما ألقته في كل الحرب العالمية الثانية وكانت صور الأطفال الفيتناميين المحترقين بالنابالم Napalm تظهر كل يوم في التلفزيون الأمريكي فبدأ جيل كامل من الشباب الأمريكي يشعر أن بلده يرتكب جريمة.


ودعا إلى المظاهرة تحالف يسمى اللجنة الوطنية لتعبئة لإنهاء الحرب في فيتنام National Mobilization Committee to End the War in Vietnam واختصارها Mobe وكان يرأسها رجل يهودي أمريكي اسمه ديفيد ديلينغر David Dellinger وهو ناشط سلام منذ الحرب العالمية الثانية ومعه جيري روبن Jerry Rubin وآبي هوفمان Abbie Hoffman وهما مؤسسا حركة اليبيز Yippies حركة الشباب الثوري.


وفي صباح الحادي والعشرين من أكتوبر تجمع المتظاهرون في الساعة الثامنة صباحا في حديقة نصب لنكولن وكان بينهم ثلاث فئات لا تجتمع عادة فالفئة الأولى هم الطلاب من جامعات هارفارد Harvard وييل Yale وبركلي Berkeley وكولومبيا Columbia ومعهم أساتذة الجامعات مثل الأستاذ نعوم تشومسكي Noam Chomsky الذي كان حينها أستاذا في معهد ماساتشوستس MIT والكاتب الأمريكي الشهير نورمان ميلر Norman Mailer الذي كان يبلغ من العمر أربعة وأربعين سنة وكان يعتبر من أهم كتاب أمريكا بعد أن فاز بجائزة بوليتزر Pulitzer Prize


والفئة الثانية هم الهيبيز Hippies بشعرهم الطويل وملابسهم الملونة وزهورهم وأكاليلهم وكان بينهم الشاعر آلن غينسبرغ Allen Ginsberg صاحب قصيدة عواء Howl الشهيرة وكان يرتدي جلبابا أبيض هندي ويقرع طبلا صغيرا ويردد تعويذة بوذية هاري كريشنا Hare Krishna


والفئة الثالثة هم قدامى المحاربين في فيتنام أنفسهم الذين عادوا من الحرب وهم يحملون أوسمتهم ثم قرروا رميها في وجه البنتاغون.


ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها اجعلوا الحب وليس الحرب Make Love Not War وأوقفوا الحرب الآن Stop The War Now وليندون جونسون قاتل أطفال Lyndon Johnson Baby Killer وكانوا يغنون أغنية بوب ديلان Bob Dylan الشهيرة الإجابة تهب في الريح The Answer Is Blowing In The Wind


وفي الساعة الحادية عشرة بدأت المسيرة من نصب لنكولن إلى البنتاغون والمسافة كيلومتران ونصف عبر جسر مموريال Memorial Bridge وكان على رأس المسيرة خمسة أشخاص هم نورمان ميلر وزوجته وروبرت لويل Robert Lowell شاعر أمريكا الرسمي ودكتور بنجامين سبوك Benjamin Spock طبيب الأطفال الأشهر في أمريكا الذي كتب كتاب تربية الأطفال الذي قرأته كل أم أمريكية وكان عمره أربعة وستين سنة ومعه زوجته.


وعندما وصلت مقدمة المسيرة إلى البنتاغون كان البنتاغون قد تحول إلى قلعة عسكرية فالرئيس جونسون كان قد أمر بنشر خمسة آلاف جندي من الفرقة 82 المحمولة جوا 82nd Airborne Division وهي نخبة الجيش الأمريكي التي كانت تحارب في فيتنام ومعهم ثلاثة آلاف من الحرس الوطني National Guard وخمسمائة من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ووضعت حول البنتاغون أسلاك شائكة بارتفاع مترين ومن خلفها صفوف من الجنود يحملون بنادق إم 16 M16 والغاز المسيل للدموع.


ولكن المفاجأة كانت أن المتظاهرين لم يأتوا ليقاتلوا بل جاءوا ليمارسوا طقسا غريبا فآبي هوفمان Abbie Hoffman الذي كان يعتبر نفسه ساحرا سياسيا أعلن قبل أسبوع أنهم سيقومون برفع البنتاغون إلى السماء بقوة التأمل والطاقة الروحية وقال سنستخدم قوة الأوم Omm لرفع البنتاغون 90 قدما في الهواء ثم ندور به ثم نحوله إلى اللون البرتقالي ثم يهتز حتى يسقط الشر الذي فيه.


ففي الساعة الثانية عشرة ظهرا جلس خمسمائة من الهيبيز حول البنتاغون في وضعية التأمل اللوتس Lotus Position وبدأ آلن غينسبرغ ينشد بصوت عال أوووم Omm وهي كلمة مقدسة في البوذية والهندوسية وبدأوا يقرعون الطبول ويرددون نحن نرفعك نحن نرفعك وكان الجنود ينظرون إليهم بدهشة ولم يعرفوا ماذا يفعلون هل يطلقون النار على أشخاص يجلسون ويتأملون.


ثم بدأ جزء آخر من المتظاهرين في محاولة اقتحام البنتاغون فتسلق بعض الشباب الجدران ودخل بعضهم من الباب الشمالي وتمكن شاب اسمه جون لويس John Lewis وهو ناشط حقوقي أسود فيما بعد سيصبح عضوا في الكونغرس من الوصول إلى داخل المبنى ورفع لافتة داخل ممر البنتاغون.


وفي الساعة الثالثة عصرا أمر الجنرال رالف هينز Ralph Haines قائد القوات في البنتاغون بإلقاء القبض على المتحشدين فبدأ الجنود يضربون المتظاهرين بأعقاب البنادق ويرشونهم بالغاز المسيل للدموع وكان المشهد عنيفا ففتاة شابة اسمها جان روز كاسمر Jan Rose Kasmir عمرها سبعة عشر سنة فقط كانت تحمل زهرة أقحوان Chrysanthemum صغيرة وتضعها في فوهة بندقية جندي أمريكي وكانت مصورة وكالة أسوشيتد برس Associated Press هناك فالتقط لها صورة أصبحت أشهر صورة في تاريخ الاحتجاجات الأمريكية وسميت صورة زهرة ضد البندقية Flower Power


واستمرت المواجهة حتى الساعة الثانية صباحا من يوم الثاني والعشرين من أكتوبر أي أربعة عشر ساعة متواصلة وفي النهاية اعتقلت الشرطة العسكرية ستمائة وثمانين متظاهرا منهم نورمان ميلر وآبي هوفمان وجيري روبن ونعوم تشومسكي واقتادتهم إلى سجن في فرجينيا Virginia وجرح مائة وعشرون متظاهرا وجرح عشرون جنديا.


وكتب نورمان ميلر بعد خروجه من السجن كتابا عن ذلك اليوم اسمه جيوش الليل Armies of the Night وفاز عنه بجائزة بوليتزر عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين وقال فيه إن الحادي والعشرين من أكتوبر كان اليوم الذي فقدت فيه أمريكا براءتها فالشاب الأمريكي لم يعد يثق في جنرالاته.


وبالفعل كانت مسيرة البنتاغون هي بداية نهاية تأييد حرب فيتنام فبعدها بشهر واحد فقط في الثلاثين من نوفمبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين أعلن السيناتور يوجين مكارثي Eugene McCarthy ترشحه ضد الرئيس جونسون لوقف الحرب وبعد أربعة أشهر في الحادي والثلاثين من مارس عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين أعلن ليندون جونسون على التلفزيون أنه لن يترشح لفترة رئاسية ثانية بسبب الحرب وقال إنني لن أسعى ولن أقبل ترشيح حزبي لفترة أخرى كرئيس.


وبعد سبع سنوات في الثلاثين من أبريل عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين سقطت سايغون Saigon عاصمة فيتنام الجنوبية بيد الشيوعيين وهرب آخر جندي أمريكي من سطح السفارة الأمريكية بمروحية.


ولهذا فإن الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين لم يكن مجرد مظاهرة بل كان أول مرة في تاريخ أمريكا يحاصر فيها الشعب جيشه ويقول له كفى حربا وكانت الصورة التي رسخت في ذاكرة أمريكا هي صورة فتاة صغيرة بزهرة أمام بندقية وهي صورة لخصت كل معنى أن الحب أقوى من الحرب .....


بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

21 أكتوبر عام 1967م اليوم الذي حاصر فيه مائة ألف شاب مبنى البنتاغون وحاولوا رفعه إلى السماء بالتأمل ...