في بلد تتشابك فيه المصالح الدولية وتتعدد مراكز النفوذ لا تتمثل معركة اليمن في حماية الممرات البحرية فحسب بل في استعادة الدولة وسيادتها وقرارها الوطني
فمهما تعددت التحالفات وتباينت الحسابات سيظل أمن الإقليم هشا ما لم يمتلك اليمن دولة موحدة وقادرة على حماية سيادتها وصون مصالح شعبها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية
لهذا لا يمكن قراءة التطورات في اليمن والمحيط الإقليمي بمعزل عن حسابات القوى الدولية والإقليمية وفي مقدمتها روسيا والصين وإيران ومصر وبريطانيا إذ تتقاطع مصالح هذه الدول عند أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب لكنها تختلف في الوسائل والأولويات وتصوراتها لمستقبل المنطقة
وبينما يمثل الممر البحري شريانا حيويا للتجارة الدولية والطاقة يظل اليمن ساحة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والنفوذ مع أزمة الدولة والسيادة
ومن هنا فإن السؤال الجوهري ليس كيف تحمي هذه القوى مصالحها فحسب بل ما إذا كانت سياساتها ستساعد اليمنيين على استعادة دولتهم أم ستكرس واقع الانقسام
تتبنى روسيا والصين مقاربة تميل إلى التحفظ على توسيع المواجهة العسكرية وتؤكدان أهمية الحلول السياسية ومراعاة الاستقرار الإقليمي
غير أن هذه المقاربة تتصل أيضا بحسابات استراتيجية واقتصادية فموسكو تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي فيما ترتبط مصالح بكين ارتباطا مباشرا باستقرار طرق التجارة وإمدادات الطاقة
وقد أظهرت الاتصالات الصينية مع الحوثيين بشأن سلامة مرور السفن الصينية كيف يمكن للمصالح التجارية أن تدفع إلى تفاهمات عملية حتى في ظل استمرار الأزمة
لكن ضمان مرور سفن بعينها لا يعادل تأمين الملاحة الدولية بصورة شاملة كما أن تجنب التصعيد لا يكفي وحده لمعالجة مشكلة السلاح خارج مؤسسات الدولة
وفي نظري ينبغي أن تقترن الدعوة إلى التسوية بموقف واضح يدعم سيادة اليمن ويمنع تحول التهدئة إلى وسيلة لإدارة الانقسام وإدامته
أما إيران فإن دعمها العسكري والتقني للحوثيين وفق ما تتناوله تقارير دولية يجعل اليمن جزءا من معادلة النفوذ والردع الإقليمي
فامتلاك الجماعة قدرات صاروخية وبحرية وطائرات مسيرة يوسع نطاق التهديدات إلى ما وراء الحدود اليمنية ويزيد مخاطر المواجهة مع دول الجوار واضطراب الملاحة
وتنفي طهران الاتهامات المتعلقة بتسليح الحوثيين لكن استمرار هذه الاتهامات وتداعيات القدرات العسكرية للجماعة يضعان البعد الإقليمي في صلب الأزمة
وباعتقادي فإن معالجة هذا المسار لا تتحقق بتوسيع الحرب بل بوقف تدفق السلاح والحد من استخدام اليمن أداة للضغط الإقليمي وتهيئة الظروف التي تمكن الدولة اليمنية من احتكار القرار العسكري والأمني
وتواجه مصر معادلة مختلفة بحكم ارتباط أمنها القومي واستقرار إيرادات قناة السويس بحرية الملاحة في البحر الأحمر
فأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن ينعكس على الاقتصاد المصري والتجارة الدولية ما يجعل حماية الممرات البحرية مصلحة مباشرة للقاهرة
وفي الوقت نفسه فإن الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة قد يفرض تكاليف أمنية وسياسية واقتصادية إضافية
وفي رأيي تلتقي المصلحة المصرية مع المصلحة اليمنية عندما يتجه التعاون إلى دعم مؤسسات الدولة وخفر السواحل وتعزيز أمن الملاحة وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا تعالج جذور التهديد
أما بريطانيا فتجمع بين دعم أمن الملاحة ومساندة الدفاع الإقليمي والتحرك الدبلوماسي إلى جانب الاهتمام بمكافحة تهريب الأسلحة وتعزيز قدرات خفر السواحل اليمني
وتكشف هذه المقاربة عن إدراك لأهمية التعامل مع التهديدات البحرية لكنها تطرح سؤالا عمليا هل يظل الدعم محصورا في اعتراض الهجمات واحتواء مخاطرها أم يتحول إلى مساهمة مستدامة في بناء مؤسسات يمنية قادرة على حماية السواحل وممارسة السيادة فالإجراءات الأمنية قد تحد من الخطر الآني لكنها لا تغني عن معالجة الأسباب السياسية والعسكرية التي تسمح باستمراره
وعلى اختلاف هذه المواقف فإن معيار الحكم عليها ينبغي ألا يكون الخطاب الدبلوماسي أو حجم الحضور العسكري بل النتائج التي تحققها على الأرض
فالحكومة اليمنية التي تسعى إلى حشد الدعم الدولي واستعادة مؤسسات الدولة مطالبة بدورها بتحويل المساندة الخارجية إلى مكاسب مستدامة عبر توحيد القرارين السياسي والعسكري وتعزيز كفاءة المؤسسات وتوفير الأمن والخدمات واستعادة ثقة المواطنين
إذ لا تكفي استعادة الأراضي إذا بقيت السلطة منقسمة ولا يكتمل الدعم الدولي إذا لم يقترن بمشروع وطني واضح
وفي اعتقادي فإن جوهر المشكلة يكمن في أن مصالح الدول قد تتفق على حماية الملاحة لكنها لا تتطابق بالضرورة حول شكل الدولة اليمنية ومستقبلها
لذلك لا بد من نقل التعاون من إدارة المخاطر إلى معالجة أسبابها ومن حماية المصالح الخارجية وحدها إلى دعم الاستقرار الذي يحفظ مصالح اليمنيين أيضا
إن معركة اليمن الحقيقية هي معركة السيادة والقرار والمؤسسات وليست مجرد صراع على المدن أو الممرات البحرية
فلا يمكن ضمان أمن باب المندب بصورة مستدامة في ظل دولة منقسمة ولا بناء أمن إقليمي مستقر عبر تجاهل حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم
وفي نظري فإن نجاح أي دور دولي أو إقليمي يجب أن يقاس بمدى إسهامه في قيام دولة يمنية موحدة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية
فاليمن لا يحتاج إلى أن تتنافس القوى على النفوذ داخله بل إلى أن تتعاون على تمكين أبنائه من استعادة دولتهم لأن استقرار اليمن ليس منحة خارجية وإنما نتيجة لقيام دولة ذات سيادة تستمد شرعيتها من شعبها وتمتلك قرارها الوطني