لم تعد المعركة الدائرة في أطراف مدينة تعز مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل باتت نذير كارثة إنسانية قد تدفع المدينة وسكانها ثمناً باهظاً لها، في ظل تصاعد الاشتباكات ووصول نيران المدفعية والدبابات إلى الأحياء السكنية، بينما تظل الحاجة إلى تحرك حاسم من قيادة الشرعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فبعد سيطرة الحوثيين على مديريات الحجرية، والتقدم باتجاه منطقة الضباب، والسيطرة على نقطة الهنجر، وفرض الحصار على طرق ومنافذ المدينة، انتقلت المواجهات إلى مرحلة أشد خطورة، عنوانها الاشتباك من مسافات متقاربة داخل المناطق المأهولة بالسكان. وهنا لا يعود الخطر محصوراً في حسابات الميدان، بل يمتد إلى حياة المدنيين ومنازلهم وما تبقى من مقومات الحياة في مدينة أنهكها الحصار والحرب.
إن قصف الأحياء السكنية بالأسلحة الثقيلة والمدفعية والدبابات والصواريخ ليس تفصيلاً عسكرياً يمكن تجاوزه، بل تهديد مباشر لحياة الأبرياء، ينذر بسقوط المزيد من الضحايا، وتدمير المنازل والبنية التحتية، وشل الخدمات الأساسية، وتعميق المأساة الإنسانية. وحين تصبح الأحياء السكنية ساحات للمواجهات، فإن المدنيين يتحولون إلى أكثر المتضررين من حرب لا يملكون قرارها ولا يستطيعون الاحتماء من نيرانها.
والأخطر أن الرهان على سقوط تعز سريعاً يصطدم بواقع ميداني مختلف فصمود القوات الحكومية، ومساندة أبناء المدينة لها، وتمسك السكان بالدفاع عن مدينتهم، عوامل تجعل اقتحام تعز مهمة صعبة وشاقة، لا نزهة عسكرية كما قد يتوهم المهاجمون. ومع ذلك، فإن إطالة أمد المعركة لن تعني سوى مزيد من الاستنزاف والدمار والمعاناة، ما لم تتغير معادلات المواجهة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين قيادة الشرعية من تعز؟
هل ستظل المدينة تواجه هذا الضغط العسكري وحدها، وتُترك قواتها وسكانها لاستنزاف طويل، أم أن قيادة الشرعية ستتحمل مسؤوليتها وتنتقل من موقف رد الفعل إلى استراتيجية عملية تخفف الحصار وتعيد التوازن إلى الجبهات؟ إن الاكتفاء بانتظار ما ستؤول إليه المواجهات ليس خياراً مسؤولاً، لأن كلفة التأخير سيدفعها المدنيون قبل غيرهم.
المطلوب اليوم تحرك عاجل ومدروس لإسناد مدينة تعز، وتخفيف الضغط العسكري عنها، وفتح جبهات أخرى وفق تقديرات عسكرية مسؤولة، بما يمنع تركيز الهجوم عليها وحدها، بالتوازي مع تحرك إنساني عاجل لحماية السكان وتأمين وصول الغذاء والدواء والمساعدات.
كما أن قيادة المجتمع الدولي مطالبون بمغادرة دائرة المواقف العامة إلى خطوات عملية تضمن حماية المدنيين، وتمنع تفاقم الكارثة، وتضغط باتجاه احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
تعز لا تحتاج إلى بيانات تضامن ومزيد من الوعود، بل إلى قرار ومسؤولية وفعل. فحين تصل نيران المدفعية والدبابات والصواريخ إلى وسط الأحياء السكنية، يصبح الصمت عجزاً، والتأخر مخاطرة بأرواح المدنيين، وترك المدينة لمواجهة مصيرها وحدها إخفاقاً لا يمكن تبريره. إن إنقاذ تعز من معركة استنزاف طويلة يبدأ بتحرك عاجل قبل أن تتحول المخاوف إلى كارثة يصعب احتواء نتائجها. والتاريخ لن يرحم من امتلكوا القدرة على التحرك، ثم تركوا المدينة تواجه مصيرها وحدها.