عندما يشتد الخناق العسكري والسياسي على جماعة الحوثي وتتأرجح أدواتها تحت وطأة الأزمات الداخلية والضغط الميداني تخرج آلة الدبلوماسية الإيرانية عن صمتها المعتاد مسرعة نحو طاولات التفاوض ودعوات التهدئة ولعل العقل السياسي الواعي لا يخدع كثيراً بحالات الصحوة الدبلوماسية المفاجئة التي تبديها طهران فالتجارب المتراكمة تؤكد يقيناً أن هذه التحركات لا تنبع إطلاقاً من وازع إنساني ولا تهدف حقاً إلى حقن الدماء اليمنية التي لطالما استنزفتها الصراعات بقدر ما تكشف عن حالة هلع وجودي تخيم على النظام الإيراني خوفاً على ضياع أثمن ورقة استراتيجية يمتلكها في خاصرة شبه الجزيرة العربية .
إن التعامل الإيراني مع الملف اليمني لم يكن يوماً قراءً لدفاتر السلام بل كان دائماً بمنطق إدارة الوكالة فالحوثي بالنسبة لقرارات الحرس الثوري ليس سوى رأس مال استراتيجي ومخلب قط متقدم وظيفته إبقاء بؤرة التوتر مشتعلة وابتزاز الإقليم والعالم متى ما اقتضت الحاجة الإيرانية ذلك .
ومن هذا المنطلق فإن أي ضغط حقيقي يهدد بتقويض سيطرة الجماعة أو يضعها أمام حتمية السقوط والانكشاف يُقراء في طهران باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي وأوراق قوتها الإقليمية وحين تنشط الوفود الإيرانية ووسائل إعلامها في الدعوة الملحة إلى خفض التصعيد في أوقات حرجة تمر بها الجماعة فإنما تفعل ذلك لحماية ذراعها من بتر محقق وليس بحثاً عن استقرار عادل ينهي مأساة شعب كامل .
المفارقة المؤلمة التي تتبدى لكل متابع منصف هي التناقض الصارخ بين خطاب طهران المدافع عن الاستقرار الإقليمي وبين دورها الفعلي في تمويل وتأجيج آلة الحرب طوال السنوات الماضية فعندما تكون الكفة راجحة لصالح الميليشيات تغيب لغة العقل وتتوارى دعوات السلام بل وتُدفع الجماعة نحو مزيد من التصعيد وتعنت المواقف ولا تطل برأسها دعوات خفض التوتر إلا حين يلامس الخطر الخطوط الحمراء للجماعة وتعاق قدرتها على المناورة إنها براغماتية سياسية فجة توظف المآسي الإنسانية كأوراق مساومة لا أكثر .
إن قراءة النوايا الإيرانية تجاه اليمن لا تحتمل السذاجة أو قصر النظر إن أي مسار جاد نحو السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من رحم المخاوف الإيرانية على أدواتها بل يجب أن ينطلق من إرادة وطنية صلبة تدرك أن بقاء الميليشيات كأداة طائعية للخارج هو العدو الأول لاستقرار اليمن وسلامة جواره العربي وما لم تدرك طهران أن عصر الوكالات وتصدير الأزمات قد شارف على الأفول ستظل محاولات إنقاذ الغريق الحوثي مجرد استنزاف طويل الأمد لمنطقة لم تهتز يوماً إلا من بوابات التبعية والتدخل الخارجي .