آخر تحديث :الأربعاء-21 أكتوبر 2026-01:13ص

فتية شبوة وشبابها.. أحلامٌ سبقتها فاجعة الرحيل...!

الثلاثاء - 20 أكتوبر 2026 - الساعة 06:38 م
محمد سالم مجور


ثلاثة وسبعون شهيدًا، ومئات من الجرحى وعشرات من المفقودين، " وفق آخر حصيلة وصلتني" هذا وضع شبوة الدامي،ففي بيوت كثيرة انقلب انتظار الأبناء إلى وجع الفقد، وفي بيوت أخرى ما زالت صور الغائبين تتنقل بين الهواتف، وأهل يعلّقون قلوبهم بخبر يعيد إليهم فلذةً من قلوبهم. " ليالٍ ثقيلة تعيشها شبوة، يمتد فيها الحزن من بيوت الضحايا إلى المحافظة كلها".


حكايتان تختصران المأساة وتكشفان قسوة المشهد وتعبران عن عشرات القصص، فبحسب منشور نعيه كان يحيى بن عريق الديولي العولقي يتيم الأب ووحيد أمه ، انتظرته أمه بين المفقودين، ثم جاءها "خبر الفاجعة" والذي لا تُحتمل مرارته: "ابنها بين الشهداء" .

( كانت تنتظر صوته، فجاءها خبر رحيله، "تقبّله الله" وربط على قلب أم فقدت معه مستقبلًا كانت تراه في وجهه) ..


أما فهد محمد رويس بن سلامة اليسلمي، فهو حتى كتابة هذه الكلمات وبحسب ما وصلنا مفقود منذ أحداث معسكر العلم يوم أمس.

فهد بن محمد من أهلنا ومن أعز أصدقاء ابني سالم ، "سالم ولدي البكر " الذي نجا من القصف بقدرة الله ، فقد حدثني سالم يوم أمس لطمأنتي بصوتٍ تخنقه العبرة ويسبق كلماته نحيب ووجع داخلي "لهول ما رأى"عن ما حدث لهم وعن فاجعته برفاقه، ومنذ ذلك الحين وهو يتنقل بين المستشفيات باحثًا عن أصدقائه الذين يعدّهم إخوة، وقد دفعته صحبتهم إلى الالتحاق معهم بالتدريب "مجموعات من الفتيان يريدون مجابهة مستقبلهم معاً "وجع سمعته في صوت ولدي وتلهّفٌ لخبر يطمئن قلبه عن "رفقائه " وجع صديق وأخ،فكيف بقلوب أهل فهد وأهالي المفقودين الآخرين، الذين ينتظرون ولا يعرفون أين يبحثون ولا أي خبر يصدقون؟


«لا ينتهي أثر جرائم الحوثي وإسرافه في القتل بانتهاء القصف، بل يمتد إلى أجساد الجرحى وذاكرة الناجين وحياة الأسر ». والتباهي بحصائل الموت يختزل فتية وشبابًا في أرقام فهو استهتار صارخ بالدماء ،فقد كان كثير منهم يبحث عن راتب يسند به بيتًا أنهكه العوز، قبل أن يكون صاحب موقف سياسي أو مشروع قتالي وقبل حتى أن يكونوا وقوداً لجبهة، " فقط ذنبهم أن الحاجة قادتهم إلى المعسكر"، والصواريخ أنهت أحلام بعضهم قبل أن تبدأ.


ولا تسقط مسؤولية التحالف عن الذين استقطبهم للتدريب، فقبول من هم دون السن القانونية وترك المستجدين دون حماية تتناسب مع الخطر المحدق بالبلاد كلها ، دليل على أن تلك القيادات ترى في هؤلاء مخزوناً بشرياً "رخيصاً " لا ينضب ، فكيف ينضب "شباب بلا خيارات ".

والأكثر ألماً وتأكيداً لوصف ما وصلنا إليه هي شهادات بعض الناجين عن انعدام الحماية والاستهتار عند رؤية تحليق المسيّرات لأيام قبل القصف وهذا يستوجب تحقيقًا يحدد ما كانت تعرفه القيادة وما اتخذته من إجراءات.

فلا يصح أن تتسع ميزانية التسجيل والحشد والتدريب ، ثم تضيق عن حماية من جرى حشدهم، وهذا التساهل يؤكد تعامل تلك القيادات مع شبابنا كوقود حرب يسهل استبداله ولا حاجة لصرف ميزانيات لحمايتهم لأن حاجة تلك الأسر "التي تم تجويعها خلال عقد من الزمن " ستدفع بشباب آخرين بدلاً ممن كانوا وقوداً لهذه الحرب..

كذلك انتهجت تلك القيادات مساراً معروفاً ومدروساً "في تقديري " لاختيار من يتولى أرواح الناس ، فإسناد المهام إلى من يفتقرون إلى التأهيل والخبرة ليس غباءً بل لضمان عدم ممانعتهم لأي خروقات وتحميلهم وحدهم نتائج الإخفاق ،فمن اختار وكلّف وموّل وأشرف يبقى داخل سلسلة المسؤولية، ولا يُعفى منها بتقديم قائد محلي شماعةً للكارثة.


وللسلطات والمسؤولين نصيبهم من هذا الواقع ، من أعلى هرم سلطات الشرعية إلى أسفلها..، فاثنتا عشرة سنة من الحرب أضعفت التعليم وأفقرت الأسر وضيقت فرص العمل وعقّدت سبل الاغتراب حتى،وفي المقابل بقيت مقدرات اقتصادية وحقول نفطية وموارد طبيعية معطلة، وتحوّل انتظار مساعدات التحالف إلى بديل عن استعادة الموارد وتشغيلها.


"وأصبح مبلغ الألف ريال سعودي أمل أسرة كاملة، لأن اقتصاد البلاد لم يعد يمنح أبناءها ما يكفي للحياة".

والأدهى والأمرّ أن ما حصل أمس يكشف فجوة تضاف إلى الإخفاقات فمحافظة شبوة المترامية الأطراف ومنبع التاريخ وصانعة الأبطال وجوهرة اليمن بنفطها وغازها ومعادنها " لا يوجد فيها طبيب مختص بالمخ والأعصاب ".


"أجيال شبوة وقودٌ للحرب " لأن كل منشأة معطلة تعني فرص عمل ضائعة ، وكل مدرسة تُترك للانهيار تضيق معها خيارات جيل كامل ، وحين تغيب البدائل تصبح المعسكرات جهة التوظيف الأكثر حضورًا، ثم يتحمل الشباب وحدهم ثمن الفقر وفشل الإدارة وحسابات الحرب.

فللشهداء وأسرهم حق أن تُكشف الحقيقة وتُصان حقوقهم، وللمفقودين حق أن يستمر البحث عنهم بجدية وأن تصل المعلومات إلى أهلهم بصدق وكرامة. وللجرحى والناجين حق العلاج والرعاية، ولمن بقي من فتية شبوة وشبابها حق أن يجد طريقًا إلى المستقبل لا ينتهي عند بوابة معسكر.