آخر تحديث :الأربعاء-21 أكتوبر 2026-01:13ص

مقاربة الاستشراف الاستراتيجي: سيناريوهات القرار الأمريكي والمصري بخصوص مستجدات الشرق الأوسط

الثلاثاء - 20 أكتوبر 2026 - الساعة 02:00 م
د.باسم المذحجي


الاستشراف الاستراتيجي هو أعلى مراتب العلم الاستراتيجي، فهو ليس توقعا، بل صناعة للمستقبل.

ولفهم قوته، نضع الهرم:

* الاستشراف: قراءة الإشارات الضعيفة قبل 10 إلى 30 سنة، وهو ما يمنح السبق.

* التخطيط: تحويل الرؤية إلى خطط تمتد من 3 إلى 5 سنوات.

* الإدارة: تنفيذ يومي ومتابعة مؤشرات الأداء.

* التفكير: الوقود الفكري الذي يغذي الهرم بأكمله.

نحن اليوم في المرتبة الأولى، ساعة الصفر.

أولا: مصر - قرار التدخل اتخذ، لكنه لم يعلن.

تقدير الموقف النهائي في القاهرة يقول:

مصر لا تتدخل في اليمن عاطفيا، بل تتدخل حسابيا، وفي القرار الاستراتيجي الاستشرافي تضع العاطفة جانبا، فالقرار مبني على حسابات المكسب والخسارة.

لماذا اليمن هو أخطر ملف اقتصادي للأمن القومي المصري؟

* قناة السويس خسرت أكثر من 60% من إيراداتها بسبب هجمات ميليشيا الحوثي في باب المندب.

* الحل لا يكمن في مسكنات داخلية في مصر، بل في معالجة جراحية للمشهد في اليمن.

ما شكل التدخل المصري الاستشرافي؟

ليس عبر زج جيش بري يصعد جبال صنعاء وذمار وعمران وصعدة، فالجيش اليمني هو المعني بتلك المهمة.

تدخل مصر يتمثل في ملء الفراغ وتأمين الخاصرة.

فكلما تقدم الجيش اليمني بثقله نحو المرتفعات والجبال، احتاج إلى قوات نوعية تؤمن الساحل اليمني الممتد من المخا إلى باب المندب وصولا إلى المكلا، وهذا هو الدور المصري المرجو: امتداد استراتيجي لتأمين الملاحة وقناة السويس انطلاقا من بوابة باب المندب.

مصر بهذه الخطوة تفرض شروطها في محيطها الإقليمي وتؤمن مفتاح معالجة أزمتها الاقتصادية.

من لا يرى هذا المسار يظن أن تحرك مصر قد يزيد من أعبائها، بينما تدرك الرؤية العميقة أن استقرار الأوضاع الاقتصادية يبدأ من استعادة أمن باب المندب وردع التهديدات.

النخب الاستراتيجية في القاهرة ترى أن ساعة التحرك قد حانت، بالنظر إلى حجم المخاطر المحيطة بالمصالح الحيوية.

ثانيا: الولايات المتحدة - بنك الأهداف الافتتاحي.

واشنطن تتحرك عادة وفق بنك أهداف افتتاحي مدروس:

المحرك الآن يتمثل في بنك أهداف يطال مراكز القيادة والسيطرة والمنظومات التابعة لإيران وأذرعها الإقليمية، وسط جاهزية كاملة للقوات الأمريكية في القيادة المركزية.

* استهداف المنشآت الحصينة لقطع خطوط إمداد الصواريخ والتقنيات العسكرية.

* التوقيت العسكري والحسابات التكتيكية المرتبطة بحماية الحلفاء، وتأمين تدفق الطاقة، والحد من الطموحات الصاروخية والنووية في المنطقة.

* الحسابات الاستراتيجية تركز على الجانب الاقتصادي: تحجيم النفوذ التخريبي وتأمين ممرات التجارة الدولية يمثل أولوية تضمن استقرار أسواق الطاقة وتخدم المصالح الحيوية.

الخلاصة الاستشرافية - التقاء المسارين:

تدرك القاهرة أن استعادة الاستقرار تتطلب إسنادا نوعيا لتأمين الواجهة البحرية، في حين يواصل الجيش اليمني مهامه الميدانية على الأرض.

وتدرك واشنطن أن توجيه ضربات دقيقة لشبكات الإمداد ومصادر التهديد الإيرانية يسهم في كسر نفوذ الميليشيات وحماية المصالح الدولية في الشرق الأوسط.

المعادلة القادمة:

تقدم ميداني لقوات الشرعية بإسناد ساحلي لتأمين الممرات الحيوية، بالتوازي مع ضغط دولي عسكري واقتصادي يستهدف مصادر الدعم الخارجي، وهو ما يعني حتمية سقوط مشروع ميليشيا الحوثي في باب المندب والمحافظات المحتلة.

هذه ليست مجرد قراءة عابرة، بل نتيجة تفرضها تقاطعات المصالح الاستراتيجية بين العواصم الإقليمية والدولية والحكومة الشرعية في اليمن.

باحث استراتيجي