آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

الإرهاب الحوثي.. هل سقطت ورقة التوت الأخيرة أم أنها الضربة القاضية؟

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 11:25 م
د.باسم المذحجي


عبارة ورقة التوت الأخيرة لم تعد مجازا بلاغيا، هي وصف دقيق لما يجري اليوم.

الحوثي بنى شرعيته على ثلاث أوراق سقطت كلها:

* ورقة الحصار: سقطت بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة. لم يعد هناك حصار ليبيع به المظلومية.

* ورقة السيادة: سقطت بانكشاف التبعية الكاملة لطهران. قرار صنعاء لم يعد يمنيا، هو ورقة تفاوض إيرانية.

* ورقة المظلومية المعيشية: سقطت بانهيار الرواتب والجبايات. المواطن في صنعاء اكتشف أن 18 مليون جائع ليس بسبب العدوان، بل بسبب تحويل كل الموارد للمجهود الحربي.

فأين الضربة القاضية إذا؟

القيادي سفر الصوفي يعتبر الرجل الثاني بعد الإرهابي عبدالملك الحوثي وليس مدير مكتبه فقط، وبعد عمليات رصد وتتبع للدائرة المقربة من الإرهابي عبدالملك الحوثي من صعدة الى صنعاء، ورصد جميع منظومة ارتباط ضباط الحرس الجمهوري السابقين وأبرزهم مقربي أبوعلي الحاكم والفيشي والمداني. وهذه الشفرة المعقدة لم ينجح في حلها إلا ضباط ارتباط الأمن القومي السابقين وحدة شارع الجزائر بأمانة العاصمة صنعاء، والتي بحمدلله حددت بدقة موقع معظم قيادات جماعة ميليشيا الحوثي على شكل قالب تحليل استخباري ذكي.

التحليل الاستراتيجي يقول الضربة القاضية لن تكون صاروخا واحدا، هي 4 مسارات تتقاطع الآن:

أولا: الضربات النوعية: تركيز القصف الجوي الدولي والإقليمي لم يعد على مخازن، بل على دائرة صنع القرار الضيقة. التقارير تتحدث عن استهداف مستمر لمعاقل مران ومحيط صعدة، لقطع رأس الهرم الاستخباراتي.

ثانيا: هندسة صنعاء ديموغرافيا الصندوق الأسود الحقيقي.

* منطقة سعوان والأحياء الشرقية

شوارع ومحيط مدينة سعوان السكنية: شهدت هذه المنطقة بالذات عمليات تضييق وإخلاء ممنهجة لعقارات ومجمعات سكنية كانت مخصصة لموظفين أو فئات معينة، وتوطين أسر قيادات حوثية وعناصر من صعدة مكانهم لتأمين الحزام الشرقي للعاصمة وتوفير بيئة موالية بالكامل.

* حي الجراف وشوارع المطار

الجراف تاريخيا معقلا لبعض الأسر الهاشمية والموالية فكريا للجماعة، ولكن منذ السيطرة على صنعاء عام 2014، تحول الحي والشوارع المحيطة به إلى مربع أمني مغلق بعد شراء ومصادرة مساحات واسعة من المنازل والأراضي، لتصبح المنطقة أشبه بضاحية خاصة تتركز فيها المقرات الاستخباراتية والإعلامية وسكن القيادات العليا.

* منطقة بني حشيش ومحيط صرف شمال شرق العاصمة

شوارع ومناطق التماس في صرف وبني حشيش: شهدت مواجهات واحتجاجات واسعة بسبب قيام الجماعة بمصادرة مساحات شاسعة من أراضي المواطنين والقبائل بحجة أنها أراض للدولة أو أوقاف، والهدف المعلن أمنيا هو هندسة التوزيع السكاني لإنشاء خط دفاعي قبلي وعسكري موال تماما للجماعة على المداخل الشمالية والشرقية.

* منطقة مذبح وشارع الستين الغربي شمال غرب صنعاء

محيط تلال مذبح وشارع الخمسين: جرت في هذه المناطق عمليات استيلاء واسعة على أراض وعقارات مرتفعة واستراتيجية تشرف على أجزاء واسعة من العاصمة، وتم طرد سكان أصليين أو ملاك بحجج قانونية واهية لتوطين عائلات النخبة العسكرية التابعة للجماعة.

* محيط جامعة صنعاء ساحة التغيير سابقا

شوارع الدائري والرباط: بالرغم من أنها مناطق تجارية وحضرية قديمة، إلا أنه تم الضغط على الكثير من الملاك لبيع عقاراتهم، وجرى إحلال واسع لشركات استثمارية وتجارية تابعة لقيادات الجماعة، إلى جانب تغيير الكوادر الأكاديمية والطلابية الساكنة في المحيط لضمان السيطرة الفكرية والأمنية على قلب العاصمة الحضري.

الجماعة لم تكتف بالسيطرة العسكرية، قامت بهندسة سكانية ممنهجة للعاصمة خلال 10 سنوات:

تحويل أحياء تاريخية في شرق وشمال العاصمة إلى مربعات أمنية مغلقة بعد مصادرة وشراء واسع للعقارات.

إخلاء مجمعات سكنية كانت مخصصة لموظفين وتوطين أسر من صعدة مكانهم لتأمين حزام موالي.

مصادرة أراض واسعة في المداخل الشمالية والشرقية بحجة أملاك دولة وأوقاف لإنشاء حزام قبلي عسكري.

السيطرة على محيط جامعة صنعاء ساحة التغيير سابقا عبر شركات استثمارية تابعة للقيادة وتغيير التركيبة السكانية والطلابية.

هذه ليست إجراءات سكن، هذه عقيدة الضاحية الأمنية المستنسخة من بيروت. الهدف: تحويل صنعاء من عاصمة مفتوحة إلى مدينة محصنة طائفيا يصعب اختراقها شعبيا.

ثالثا: الضربة الاقتصادية الداخلية: عجز عن دفع الرواتب، احتقان شعبي، وانتفاضات جوع. هذه هي الضربة التي لا يصدها صاروخ.

رابعا: الملاحقة القانونية: أحكام إعدام صادرة من محاكم مأرب وحضرموت العسكرية ضد عبد الملك الحوثي وقيادات الصف الأول بتهم التخابر والاعتداء على استقلال الدولة. هذا يجرد الجماعة من أي غطاء قانوني ويضعها تحت بند الملاحقة الدولية المستمرة.

الخلاصة الاستراتيجية: هل سقطت ورقة التوت أم الضربة القاضية؟

الاثنتان معا. ورقة التوت سقطت داخليا لم يعد أحد في صنعاء يصدق خطاب الحصار. والضربة القاضية قادمة خارجيا ليس بالطيران وحده، بل بتفكيك الهندسة السكانية التي بناها.

الحوثي اليوم ليس في أقوى حالاته، هو في أكثر حالاته انكشافا. يحكم عاصمة لا يسكنها أهلها، بسلاح لا يحميه إلا جسد مدني.

باحث استراتيجي يمني.